الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

احتكاك القضاة بالمثقفين

عبدالعزيز محمد هنيدي
الأربعاء 24 مارس 2010 4:48

مازالت تشغلني أهمية وجود بيئة قضائية حديثة قابلة للتحسن والتطور في جهاز قضائنا وأشرت لهذا الموضوع في المقالة السابقة وأكدت أنه لا يتأتى لتحسين تلك البيئة إلا إذا زاد اهتمامنا بنوعية كوادر العاملين في القضاء من قضاة ومساعديهم وكتاب وإداريين بما في ذلك رؤساء المحاكم وذلك بزيادة أعدادهم وحسن اختيارهم وتقييمهم ورفع مستوياتهم المهنية بالتدريب والثقافة وخاصة في مجال حقوق الإنسان وعلم الاجتماع وعلم النفس والاستمرار في الزيارات الميدانية والاحتكاك بالثقافات القضائية الأخرى، كما أشرت إلى أهمية معرفة العاملين في الجهاز القضائي بكل الأنظمة القضائية وفهمها وعمل لوائح تنفيذية ليسهل معرفة الإجراءات التي يجب تطبيقها، ثم أشرت إلى ضرورة وجود تقارير دورية لتقييم كل العاملين في الجهاز القضائي وإطلاع كبار المسؤولين في الجهاز القضائي على تلك التقارير لمعرفة مستويات منسوبي القضاء واتخاذ اللازم لتشجيع المجدين والأخذ بين المتوسط والضعيف حتى يطبق مبدأ الثواب والعقاب، والآن أضيف عنصراً رابعاً للعوامل التي تطور البيئة القضائية وهو:

ضرورة احتكاك رؤساء المحاكم والقضاة بشخصيات المجتمع البارزة وخاصة من لهم علاقة بالشأن القضائي، مثل أبرز القضاة المتقاعدين والمحامين وذوي العلاقة بوزارة العدل وديوان المظالم والمحترفين العاملين في مجال حقوق الإنسان وأبرز الإعلاميين والمثقفين وخاصة أولئك الذين يكتبون بشكل دائم في صفحات الرأي والمشاركين في الندوات التي تُعنى بمشكلات المجتمع وتطلعاته وهمومه وكذلك نخبة من رجال الأعمال ومن البارزين في علم الاجتماع والقانون في جامعاتنا ويكون هذا الاحتكاك والتفاعل من خلال الندوات واللقاءات والمؤتمرات التي تبحث في مجال العدل والقضاء وحقوق الإنسان والشؤون الاجتماعية. إن مثل هذه اللقاءات ستثري بدون شك ثقافة العاملين في الجهاز القضائي ليتقبلوا تدريجياً الرأي الآخر بصدر رحب ويسمعوا ويتفهموا رأي المثقفين ويردوا عليهم بما يرونه الأصح، كما يستطيع القضاة بما فيهم رؤساء المحاكم أن يبدوا رأيهم الصريح في كل ما تتناقله الصحف وتخوض فيه المجالس مثل فكرة (تقنين الشريعة)، (تعيين مساعدات للقضاة)، (المحاكم العلنية)، (نشر الأحكام الشرعية في وسائل الإعلام)، (الأحكام الشرعية التي تصدر بسبب عدم كفاءة النسب بين الزوجين)، (زواج القاصرات)، (عضل النساء)، (شكاوى الجمهور من تأخر البت في القضايا التي تعرض على المحاكم) وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالعدل والمساواة والرحمة وحقوق المرأة وخاصة المطلقات والمتعرضات للأضرار والظلم وما يهم المجتمع من المسائل الإنسانية والحقوقية، كما يمكن تطوير تلك اللقاءات والندوات باستقطاب قضاة بارزين ممن هم على رأس العمل أو المتقاعدين من دول الخليج والدول العربية ومن المؤكد أن تلك اللقاءات ستساعد على مقارنة القضاء لدينا بما هو في الخارج، ومن المؤكد أن الدول الأخرى وخاصة العربية ستستفيد مما لدينا من أنظمة وخبرة قضائية طويلة لا تتمتع بها دول كثيرة وربما نستفيد من بعض الإجراءات والأمور الإدارية، وكلما حسُنت إدارة تلك الاجتماعات وركزت على النقاط الرئيسة والفوائد المأمولة تحققت الأهداف وارتفع مستوى البيئة القضائية تدريجياً لدينا، ولا شك أن انفتاح جهاز القضاء على المجتمع ودول الخارج بشكل متدرج وباحترام متبادل يقرب وجهات النظر ويمنع من انغلاق الجهاز القضائي على نفسه ومثل ذلك الانغلاق قد يدفع جهاز القضاء بدون قصد لتكوين جبهة مستقلة تدافع عن نفسها وتتعايش مع أعضائها في مجتمع تسوده ثقافة المجاملة والانطوائية التي تؤدي إلى محاربة الأفكار الجديدة الوجيهة وتلك المجاملة السائدة والانطواء على النفس تؤدي إلى الضرر بالمصلحة العامة إذا حجبت الأخطاء، كل هذا تنتج عنه بيئة قضائية غير حضارية لا تقبل النقد البناء ولا تتحمل الحوار الجاد، وفي الحلقة (114) القادمة نكمل الباقي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية