يبدو أن هناك فهما خاطئا للحرية التجارية أدى إلى سلوك غير مقبول من الناحيتين الشرعية والقانونية, فالتاجر حينما يشتري بضاعة لإعادة بيعها بصفته موزعا أو وكيلا، ليس من حقه أن يحبسها عن الأسواق لأي سبب كان, بل إن الاحتكار من الأفعال المشينة حتى من الناحية الأخلاقية, ومع ذلك أصبح سلوكا يتزايد من حيث الأشخاص الممارسين له ويتوسع من حيث السلع التي يتم فيها الاحتكار بغرض رفع الأسعار. ولأنه ليس هناك قانون واضح يعاقب على مثل هذه التصرفات الفردية فإن علينا أن نتوقع تحولها إلى طريقة لتعويض خسائر سابقة أو لتحقيق أرباح غير مشروعة.
إن مثل هذا السلوك لم يكن ليظهر في أسواقنا المحلية لولا تلك الأزمة التي أصابت الأسواق ومعها أصابت الأخلاق التجارية فيما تبقى منها على قيد الحياة, حيث يصعب من الناحية النظرية أن يتبنى المنظم في المملكة فكرة قانون يجرم مثل هذه الأفعال ويعاقب عليها بعقوبات تتجاوز الغرامة المالية التي لن تكون سوى أداة لمواصلة الاحتكار وتعويض ما فات تحقيقه من مكاسب, لكن ربما يفهم بعض التجار أن القانون كائن جامد غير متحرك مع قضايا المجتمع والظواهر الجديدة فيه, فمن السهل جدا أن يعيد المنظم السعودي ترتيب الأوراق في السوق ليصدر قانونا يجرم ويعاقب كي يرتدع أولئك الذين يقفون في سكة قطار التنمية المتحرك لتحقيق الأهداف ومواجهة متطلبات الأجيال.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين ذهبت المنافسة المشروعة بين التجار لتخفيض الأسعار أو إعطاء حسومات جيدة تجذب الزبائن أو التمويل بالآجل؟ ولماذا تحول بعض التجار في تسويق سلع معينة إلى فريق واحد يلعب تحت عباءة الاحتكار ليحقق الانتصار على الزبون الذي يبحث عن سلعة لإنشاء مشروع تجاري أو سكني أو عائلي؟ والجواب لدى الجهة المشرفة على الأنشطة التجارية, التي لا يسرها ما يجري وهي تحاول أن تعيد الأسعار في كل مرة إلى وضعها السابق مقاومة ما يجري, وما إن يكتب لجهودها النجاح حتى تنتقل العدوى إلى سلعة أخرى, فبعد أن تواطأ بعضهم لرفع أسعار الألبان ثم الدقيق جاء الآن الدور على الحديد, وربما نجد غدا هذا السلوك يأخذ دورة كاملة على جميع السلع والبضائع ثم الخدمات حتى يكمل دورته ثم يعود من جديد, وهكذا في دورة لا تنتهي.
لقد كافحت القوانين السعودية ظاهرة التستر التجاري وظاهرة الغش التجاري, واليوم هناك حاجة ماسة, بل ضرورة قصوى إلى قانون يكافح ظاهرة حجب السلع عن المشترين بغية إحداث شح في المعروض للبيع من أجل رفع الأسعار, ولن يعجز المختصون عن توصيفها شرعا ونظاما, فكما أن الأسواق تحارب ظاهرة الإغراق، فإن محاربة ظاهرة التجفيف مطلوبة لاعتبارات اقتصادية, بل تمس أهداف خطط التنمية بصور مباشرة وفي الصميم, ما يبرر اعتبار من يمارسها مستحقا للعقاب لأنه أضر بحق عام للمجتمع برمته.
ولعل مجلس الشورى, وهو الذي يقف اليوم ليناقش قضايا المجتمع المهمة في كل النواحي, يبحث من خلال لجانه المتخصصة موقف الشريعة الإسلامية من هذه الظاهرة وطلب الفتوى الرسمية فيها من أجل تبني إصدار نظام جنائي يعالج العقوبات الرادعة لمن يحتكر أو يتواطأ على رفع الأسعار, واعتبار ذلك جريمة تعزيرية تستوجب الجزاء والتوقيف على ذمة قضية جنائية والتحقيق معه ثم إحالته إلى القضاء.
إن بعضا من التجار اكتسب ثقافة جديدة جربها العالم كله وأدت إلى أزمة مالية دهورت الأسواق العالمية, وهي السباق نحو رفع الأسعار والمغالاة من دون سبب واضح, ورغم أنها مخاطرة ربما تنجح لبعض الوقت إلا أنها ستفلس ويفلس معها منظروها, لكن بعد أن يكونوا قد حققوا مكاسب شخصية وذاتية على حساب الاقتصاد الوطني والتجارة الحرة وطموحات المستهلكين والزبائن ومن في ذمتهم.
