لم يضيع الرئيس ماهندا راجاباكسا أي وقت في الاستفادة من النصر الذي حققه في الانتخابات بـ 17 نقطة، فسارع إلى تثبيت سلطته بإلقاء القبض على معارضه الجنرال ساراث فونسيكا. فقد تم اعتقال فونسيكا أخيرا بتهمة التآمر لاغتيال الرئيس راجاباكسا والسيطرة على الحكومة. وقد أدى ذلك فيما بعد إلى إجبار 14 من كبار ضباط الجيش على الاستقالة بتهمة التآمر مع الجنرال وعلى إلقاء القبض على نحو 40 جنديا من الجنود العاملين والسابقين - أطلق سراح نصفهم الآن. وقال الناطق بلسان الحكومة كيهليا رابوكوالا إن الجرم الذي اقترفه الجنرال هو مزاولته للمعارضة في المجلس الأمني للبلد في العام الماضي، '' فقد قام باتصالات وتعاملات كثيرة مع مختلف زعماء الأحزاب السياسية الآخرين الذين كانوا يعملون ضد الحكومة – وهذا يرقى إلى درجة الخيانة، إلى حد ما''.
وفي دفاع آخر عن قضية الحكومة، تحدث وزير دفاع سريلانكا جوتابهايا راجاباكسا، وهو الشقيق الأصغر للرئيس، مع الصحافيين العاملين في صحيفة Straits Times. وفي تلك المقابلة، وجه اللوم للجنرال فونسيكا بسبب مجموعة من التهم، منها جرائم الحرب التي ارتكبت أثناء الهجوم العسكري النهائي الذي شنه الجيش في أيار (مايو) الماضي، واعتقال المواطنين التاميل لمدة طويلة في المعسكرات بعد انتهاء المعركة، وحتى قتل الصحافيين السريلانكيين. وقام أيضا بتوجيه اللوم للولايات المتحدة ولحكومات غربية أخرى كحكومة النرويج بسبب مساندتها لحملة فونسيكا.
صوتت الأغلبية السنحالية للرئيس الذي تعزو إليه الفضل في إنهاء الحرب الأهلية التي دارت في البلد بين القوات الحكومية وبين نمور تحرير إيلام تأميل، وتبدي رضاها عن تراجع الحريات المدنية تحت حكمه.
وباعتباره مهندس النصر الذي تحقق على قوات جبهة نمور تحرير إيلام تأميل، فقد حصل الرئيس راجاباكسا على الثناء من رجال الدين البوذيين السنحاليين الذين أعلنوه ''حاكماً أعظم للسنحاليين''. إن هذه المبالغة تشير إلى الانقسام العميق بين السنحاليين والتاميل.
ليس هناك شك في أن لدى التاميل في سريلانكا مظالم جدية. فنظراً للحظوة التي كانوا يتمتعون بها لدى المستعمرين البريطانيين بسبب مستوياتهم التعليمية العالية ومهاراتهم اللغوية، أثاروا عليهم حنق السنحاليين منذ أكثر من نصف قرن. وفي عام 1956، تبنى رئيس الوزراء سولومون بندرانايكا سياسية جعلت اللغة السنحالية اللغة الوطنية الوحيدة وأعلى شأن الديانة البوذية التي تدين بها غالبية السنحاليين.
وكان من المأمول أن تقوم حكومة بقيادة السنحاليين في كولومبو بمد يدها إلى التاميل ولو لضمان استمرار السلام. لكن الإجراءات التي اتخذها الرئيس راجاباكسا والتي تنم عن الارتياب والتي تمثلت في محاصرة معارضيه المهزومين – ومعهم السنحاليون أيضاً – تدل على أنه ليس في موقع يمكنه من البدء بجهود المصالحة.
وبعد أن تم اعتقال الجنرال فونسيكا، قام الرئيس بحل البرلمان، ممهداً الطريق لإجراء انتخابات برلمانية في الثامن من نيسان (أبريل) - أي قبل شهرين من الموعد المقرر لإجرائها. ويأمل الرئيس راجاباكسا في استغلال نجاحه الأخير في الانتخابات وتحويله إلى نصر قوي لتحالف اتحاد حرية الشعب الذي يتزعمه في برلمان سريلانكا.
لقد حد اعتقال الجنرال فونسيكا من قدرته على الاتصال بزملائه السياسيين في ائتلاف المعارضة الذي يعد مزيجاً غريباً يضم التاميل وحزب JVP اليساري. ومن دون الاتصال بزعيم يوحده، من المرجح أن يتداعى هذا الائتلاف في الأسابيع المقبلة.
لذلك، فإن الحكومة تبدو في وضع جيد يمكنها من الاحتفاظ بأغلبية الثلثين في الانتخابات العامة المقبلة. إن أغلبية الثلثين في البرلمان ستمكن الرئيس راجاباكسا من إجراء التغييرات التي يريدها في الدستور من دون الحاجة إلى تأييد الأحزاب السياسية المعارضة، بما فيها الأحزاب التي تمثل معظم الأقليات العرقية.
إن هذا يشكل خبراً سيئاً بالنسبة للأقلية التاميلية التي باتت تدرك التدابير القمعية بحق المجتمع المدني. وقد تعرضت مدينة جفنا، وهي عاصمة التاميل الثقافية والتاريخية، لأضرار شديدة من قبل الجيش السريلانكي وتحتاج إلى إعادة إعمار. وتفتقر العائلات التاميلية التي تحاول جاهدة العودة إلى حياتها العادية بعد أن قضت شهرين في معسكرات الاعتقال التي أقيمت بعد الحرب في ربيع العام الماضي إلى الاحتياجات الأساسية، ويبدو أنه ليس هناك غير الوعود لمعالجة هذه المشكلات.
وتخشى الحكومة أيضاً أن تقوم جبهة نمور تحرير إيلام تاميل بإعادة حشد قواها وهو أمر لا ترى مجموعة الأزمات الدولية، وهي هيئة غير حكومية تتخذ من بلجيكا مقراً لها إمكانية حدوثه. بل تذهب الهيئة إلى أن كبر حجم تاميل الشتات يمكن أن يهدد جهود المصالحة. ففي تقرير نشر بعنوان ''شتات التاميل السريلانكيين بعد جبهة نمور تحرير إيلام تاميل''، تقول مجموعة الأزمات الدولية إن التاميل الموجودين خارج سريلانكا مستمرون في تأييد إقامة دولة منفصلة ويمكن لأموال الشتات أن تضمن لعب دور في مستقبل البلد. ولكن لا يوجد تقريباً أي دعم محلي أو دولي لدولة إيلام تاميل الانفصالية التي يرغب تاميل الشتات في رؤيتها.
ويستمر تقرير مجموعة الأزمات الدولية في الادعاء أن الالتزام العميق من التاميل في الخارج تجاه إيلام تاميل وسع الفجوة بين تاميل الشتات والتاميل في سريلانكا الذين لديهم اهتمام أقل في تأسيس دولة مستقلة من اهتمامهم بإعادة إعمار حياتهم التي تعرضت للانهيار. وتعتقد مجموعة الأزمات الدولية أنه إلى أن يتخلى تاميل الشتات عن فكرهم الانفصالي المؤيد لجبهة نمور تحرير إيلام تاميل، فمن غير المرجح أن يلعبوا دوراً مفيداً يدعم سلاماً عادلاً ودائماً في سريلانكا.
ومن أجل البدء بعملية المصالحة الوطنية وإنشاء المؤسسات الديمقراطية الفاعلة، يتعين على الحكومة السريلانكية أن تعالج التظلمات المشروعة التي تعد السبب الرئيس في هذا الصراع الإثني. وسيضمن هذا دوام السلام الحالي ويعطي دوراً للتاميل المحرومين في عملية صنع السياسات. ولكن مما يؤسف له بالنسبة لسريلانكا، أنه لا يوجد في الإجراءات التي اتخذها الرئيس راجاباكسا أخيرا إلا القليل مما يدل على تحقيق شبه استقرار، ناهيك عن مصالحة وطنية. ويبدو أن الرئيس أكثر قناعة بالتشديد على أعدائه من المحافظة على الوحدة الوطنية.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinionasia
