أدّى عرض عمل درامي تركي يتناول القضية الفلسطينية، وتحديدا الانتفاضة, إلى توتر العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وقد تبنت هيئات ومنظمات ثقافية يهودية هذا الموقف بقوة، وكانت هذه المنظمات قد أخذت الموقف نفسه ضد مصر في أعقاب أغنية شعبية للمغني الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم تحت عنوان (أنا بكره إسرائيل).. حتى بلغ التصعيد عبر مؤسسات ثقافية دولية أن حظي المغني المذكور بشعبية عارمة جعلته يحتل صدارة الصفحات الأولى في بعض الصحف الغربية واسعة الانتشار، وقنوات فضائية إخبارية مرموقة لفترة غير قصيرة.
بهذه الطريقة تعاملت إسرائيل مع المواقف الشعبية التي غالبا ما تعبر عنها الفنون بمختلف أشكالها.. وقد سبق أن تصدت قوى الاحتلال لمنع عرض بعض المسرحيات التي تتناول الصراع في بُعده الثقافي، وكلنا نتذكر موقف الحكومة الإسرائيلية من اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية.. لإدراكها حجم تأثير الفعل الثقافي والفني في تشكيل الرأي العام سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي. كل هذا يأتي في الوقت الذي تمارس فيه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كل أنواع التهويد والإقصاء، ومحاولات طمس الهوية العربية من خلال الملف السياسي، وسياسة الحصار والتجويع وإغلاق المعابر، وهي حين تأتي إلى المفاوضات، فإنها تأتي بالملف السياسي فقط، مما يجعل الساسة الإسرائيليين أو المفاوض الإسرائيلي أكثر قدرة على التحكم بمقاليد اللعبة، عبر توظيف تلك المواقف كعناصر وقوى ضغط شعبية لا سبيل لمقاومتها أو التحلل منها!
هذه الخديعة الإسرائيلية وفرت للمفاوض الإسرائيلي غطاء لوجستيا أمام الرأي العام العالمي كديموقراطية معنية بالتفاعل مع مواقف المجتمع المدني ومؤسساته، وهيأت لها الفرصة تلو الأخرى للتلاعب بكل الاتفاقيات الموقعة، وكسب المزيد من الوقت لتمديد أذرع الاستيطان، والعبث بالمعالم الديموغرافية تحت ذريعة الضغوط التي يتعرض لها المفاوض الإسرائيلي من الرأي العام بهيئاته ومؤسساته الثقافية والفكرية والفنية.. التي تستطيع أن تلوح بشعار معاداة السامية أمام أي عمل فني أو ثقافي لتصرف الأنظار إليه عما يجري على الأرض.
الجانب العربي والمطالب دائما بالعودة إلى المفاوضات من نقطة الصفر تارة من خلال الدعوة للتفاوض المباشر، وأخرى غير المباشر.. لا يزال غير قادر على استيعاب هذه اللعبة، حتى أصبحت عودة الموفد الأمريكي جورج ميتشل إلى المنطقة حدثا في حد ذاته، في حين بقي الحبر الذي أريق في الاتفاقيات السابقة منذ كامب دايفيد وواي ريفر وأوسلو وغيرها أدنى من أن يوقف بناء كنيس يهودي على مشارف الحرم القدسي، أو يثني الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل عن إتمام مشروعها الاستيطاني الذي اختفى هذه الأيام تحت عباءة الإهانة التي تلقاها نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن من نتنياهو، وامتعاض الإدارة الأمريكية من ذلك، ثم الرد بتأخره لبعض الوقت عن دعوة العشاء.
كانت الصحف العربية في الماضي تنشر أبوابا واسعة تحت عنوان (اعرف عدوك) أو (إسرائيل كيف تفكر) على سبيل البحث في صيغ المقاومة، لكننا اليوم ما عدنا نقيم وزنا لهذه الأمور بعدما استطاعت السياسة الإسرائيلية أن تغرقنا في اللعب في التفاصيل بتوظيف كل قواها الثقافية والسياسية في إدارة لعبة الصراع .. فيما هي تمضي قدما في إنجاز مشروعها الذي لم يتوقف لحظة واحدة منذ عام 1967م.
