كثير من الناس من يعتقد أن دور الجامعات محصور في تخريج وتأهيل الطلاب والطالبات، لذلك لوحظ أن نشاط الجامعات مقترن بوجود الطلاب، والدليل على ذلك قلة الأنشطة في وقت الإجازات أو بعد نهاية الدوام اليومي، ولكن في الفترة الأخيرة لوحظ بعض التحرك داخل وخارج بعض جامعاتنا، تمثل في كثرة الزوار والمحاضرات العامة، والأهم من ذلك تحويل المشاريع البحثية المحلية إلى مشاريع وطنية، كان آخرها افتتاح معالي وزير الصحة الدكتور عبد الله الربيعة، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، الحملة الوطنية للوقاية من تسوس الأسنان في رحاب جامعة الملك سعود.
فتسوس الأسنان يعد عالمياً من أكبر المشكلات التي تواجه أطباء الأسنان، بل إنها تشكل عبئاً اقتصادياً على الدول والمجتمعات، فالمعدلات العالمية لتسوس الأسنان تختلف من دولة إلى أخرى، ففي الدول الإسكندنافية تصل نسبة التسوس 30 في المائة، أما في أمريكا فإنها تصل إلى 70 في المائة (تتباين بين السود والبيض)، أما في السعودية فحسب آخر دراسة في منطقة عسير فإنها 95 في المائة، وهذا الرقم يعد رقماً مخيفاً جداً يحتاج إلى عديدا من الحملات التوعوية والعلاجية، كما أنه يشكل، كما صرح معالي وزير الصحة، خسارة كبيرة على فاتورة العلاج التي يدفعها المواطن، مع ضعف الإسهام الحكومي وكذلك ضعف إسهام شركات التأمين في تغطية تلك الفاتورة الباهظة الثمن.
فامتداداً لكثير من الدراسات البحثية، فقد قام كرسي مكافحة تسوس الأسنان في جامعة الملك سعود، بتبني مشروع حملة وطنية داخل مدينة الرياض، حيث يحتاج الأمر إلى موافقة إدارة الجامعة بذلك، ولكن رأى معالي مدير الجامعة أ.د. عبد الله العثمان - عندما تبين له أن مشكلة تسوس الأسنان لا تخص منطقة الرياض بل هي مشروع يخص كافة أرجاء الوطن - أن يحول من مشروع بحثي محدد إلى حملة وطنية تشترك فيها وزارة الصحة. وهذا بالطبع يحتاج إلى موافقة من المقام السامي، لذا فقد تبنى معاليه ذلك المشروع الوطني وحصل على الموافقة السامية لشروع في تلك الحملة التي أطلق عليها: الحملة الوطنية لوقاية الأسنان من التسوس. كما اقترح معالي وزير الصحة أن تسهم جميع قطاعات الدولة في تلك الحملة الوطنية بما فيها وزارة التربية والتعليم، حيث إن مشاركتهم في الحملة سوف يساعد على إنجاحها، فهنالك بعض الوقفات حول دور الجامعات في إنجاح الحملات الوطنية:
1 - إن تحويل مشروع الوقاية من التسوس من مشروع بحثي داخل أروقة الجامعة إلى حملة وطنية، يعد نوعاً من الإبداع والحس الوطني في إبراز الدور المهم للجامعة في خدمة المجتمع، فوجود العقول البحثية في الجامعة والدعم من وزارتي الصحة والتربية والتعليم سوف يحققان مفهوم مشروع الرعاية الصحية المتكاملة والأهداف المرجوة، كما قد يساعد على خفض نسبة تسوس الأسنان في المملكة إلى المعدل العالمي.
2 - ينبغي لا يقتصر دور إدارة الجامعة ممثلاً في معالي المدير على الاحتفال ببدء المشاريع، خصوصاً وقد عرف عنه التشجيع والدعم السخي لكل من يرغب في البحث والتطوير، ولكن ينبغي المتابعة وأن يكون هنالك احتفال خاص للتعرف على نتائج الحملات وكذلك تكريم كل من له دور فاعل في إنجاحها. وهذا ما دعا إليه معالي وزير الصحة في كلمته: ''بضرورة تبنى الأسس العلمية الحديثة ورفع الإحصاءات والنتائج الدورية التي توضح نجاح واستمرار الحملة حسبما رسم لها إن شاء الله''.
3 - هنالك كثير من المشاريع الوطنية تحتاج إلى أن يكون فيها للجامعات دور المنسق والمنظم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعد الرعي الجائر والاحتطاب من أكبر المشكلات البيئية، بل إن المملكة في ذيل القائمة حتى بالنسبة للدول العربية في حمايتها، فلم تنجح وزارة الزراعة ولا الهيئة العامة لحماية الحياة الفطرية وإنمائها في الحد من تلك الظاهرة، وحيث إن هنالك كثير من أساتذة الجامعات، المهتمين بحماية البيئة وتطويرها، يستطيعون الشروع في حملة وطنية لحماية البيئة، بمشاركة الجهات المختصة وكذلك الرقابية مثل وزارة الداخلية ممثلةً في الشرطة والمجاهدين ورؤساء المراكز، وكذلك بعض مؤسسات المجتمع المدني.
4 - وحتى تنجح الحملات الوطنية التي تقودها الجامعة ينبغي أن يكون لها تطبيق عملي ناجح داخل أروقة الجامعة، فلا تزال مشكلة التدخين من أكبر الظواهر السيئة في المجتمع، فقد أثبت بعض الدراسات أن كثيراً من الطلاب يتعلم التدخين خلال مرحلة الدراسة الجامعية!!، بل إن كثيراً من الطلبة وبعض المسؤولين يعمد إلى التدخين داخل أروقة مباني الجامعة، لذا انطلقت هذه الأيام حملة داخل جامعة الملك سعود للتوعية بأضرار التدخين، وحتى تستطيع الجامعة أن تقود حملة وطنية شاملة لمكافحة التدخين فهذا يحتاج إلى أن تكون الجامعة خالية تماماً من التدخين وهذا يسمى بمنطق البحث العلمي دراسة استكشافية Pilot Study، حيث نجاح هذه التجربة داخل الجامعة يعد مؤشراً على تطبيقها في نطاق واسع .. والله أعلم.
