الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

سوق العمل بين مخرجات التعليم العالي ودور القطاع الخاص

عيسى بن عبدالرحمن العيسى
عيسى بن عبدالرحمن العيسى
الأحد 21 مارس 2010 3:46

تُوصف مخرجات التعليم العالي في المملكة بالضعف وعدم إيفائها بمتطلبات العمل في القطاع الخاص بحجة تدني تأهيل الخريجين العلمي والمهني، إضافة إلى ضعف تضمين مهارات استخدامات التقنية واللغات الحية في المناهج التعليمية للجامعات والكليات على الرغم مما يتمتع به قطاع التعليم العالي من رعاية واهتمام بالغين من الدولة، حيث بلغ إجمالي ما خصص لهذا القطاع خلال السنوات الثلاث الماضية ما يقارب 81.3 مليار ريال بمتوسط إنفاق يصل إلى 27.1 مليار ريال سنوياً أو ما نسبته 17.1 في المائة من إجمالي الميزانية العامة للدولة لعام 2009. وفي هذا العام ارتفعت مخصصات التعليم العالي لتصل إلى نحو 33.4 مليار ريال، بزيادة نسبتها 59.2 في المائة مقارنة بعام 2008.

إذن، ما أسباب الخلل؟ من الواضح أن المشكلة في نوعية الفرص الوظيفية المتاحة في القطاع الخاص. وفي رأيي يجب أن ترتبط أسباب الخلل ببعض العوامل المعيقة للعمل في القطاع الخاص مثل التشوهات في هيكل سوق العمل، والمنافسة غير المتكافئة بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة، وضعف محفزات العمل المالية والوظيفية في شركات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة التي تمثل ما يوازي ثلثي فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص، والمصدر الرئيس لخلق الفرص الوظيفية. وتمثل المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو 90 في المائة من إجمالي منشآت الأعمال، وما نسبته 61.6 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الخاص، وما نسبته 28.7 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة لعام 2008. وبنهاية عام 2008 بلغ العدد التراكمي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة نحو 763.6 ألف مؤسسة.

والسؤال هو: هل من الممكن أن نخلق بيئة مشجعة لطالبي العمل من العمالة الوطنية في القطاع الخاص في ظل استمرار التركيز على العمالة ذات التأهيل العلمي والمهني المتدني؟ بالتأكيد لا, فالأجور المتدنية المقدمة من قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تتناسب مع معايير المعيشة في المملكة، ولا تقدم أبسط مستوى معقول للحياة الكريمة. وكذلك الوظائف المتاحة لا تتناسب وطموحات طالبي العمل وتأهيلهم. ومن غير المعقول مقارنة متطلبات طالب العمل السعودي بنظيره من العمالة الوافدة. ويجب توافر شروط المنافسة العادلة للعمالة الوطنية لأن فرصة العمل حق للمواطن والمواطنة.

وعند مقارنة بيئة العمل في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ببعض القطاعات الأخرى نجد أن في اقتصادنا أمثلة جيدة تدعم أهمية بيئة العمل كعامل أساسي في نجاح استقطاب العمالة الوطنية, وكذلك نجاح المنشآت التجارية. ففي ثلاثة قطاعات حيوية لاقتصاد المملكة وهي النفط، والبتروكيماويات، والمصارف تمثل العمالة الوطنية النسبة الأعلى وتتميز بارتفاع كفاءة استخدام الموارد، وكفاءة الإنتاج، والربحية العالية مقارنة بغيرها من القطاعات الأخرى في القطاع الخاص. فعلى سبيل المثال، في شركة أرامكو السعودية يوجد نحو 48 ألف موظف سعودي يمثلون نحو 87 في المائة من إجمالي حجم العاملين في الشركة. وبشهادة عدد من مؤسسات التصنيف الدولية والنشرات الدورية المتخصصة تحتل الشركة درجة عالية في تصنيف أفضل شركات النفط العالمية فيما يخص كفاءة الإنتاج واستخدام الموارد، ومستوى تقنية المعلومات المعقدة المستخدمة. وفي قطاع البتروكيماويات توجد 14 شركة يعمل فيها نحو 90 ألف عامل منهم تقريبا 33 ألف عامل في شركة سابك، وتمثل العمالة الوطنية فيها نحو 68 في المائة. وتعد المملكة أحد أكبر مصدري البتروكيماويات العالمية الرائدة، وتصدر منتجاتها إلى أكثر من 100 دولة، وتشكل نحو 7 في المائة من حجم العرض العالمي من المنتجات البتروكيماوية الأساسية، ونحو 70 في المائة من إنتاج دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي. وفي قطاع المصارف يعمل نحو 32 ألفا من العمالة الوطنية، أو ما نسبته 89.6 في المائة من إجمالي حجم العاملين.

إن نجاح العمالة الوطنية في هذه القطاعات الحيوية برهان جيد يدحض نمط الصورة السيئة عنها. وبالتالي، عند وجود بيئة عمل جيدة في قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كتلك في القطاعات التي يتسم العمل فيها بارتفاع الأجر، واستثمارها في تنمية ورفع قدرات ومهارات العاملين لديها، وتناسق الأجر مع تطلعات العمالة الوطنية، سيؤدي ذلك إلى تفعيل أدوات السوق وتصحيح الخلل في توازن العرض واحتياجات سوق العمل من العمالة الوطنية. ختاماً، صحيح أن إتاحة فرصة التعليم الجامعي الجيد في أي من التخصصات المتاحة وتوفير وسائل وأدوات تحقيقه فلسفة خاصة تتوقف إمكانية نجاح متلقي التعليم على مدى وضوح الرؤية والجدية والقدرات الذهنية، إلا أنه من غير المفترض ضمان الوظيفة للخريج بمجرد الحصول على الشهادة الجامعية، ومن المهم تهيئة البيئة المناسبة لبناء منهج دراسي عالي الجودة، وإتاحة المنافسة العادلة في سوق العمل بفرص وظيفية وأجور تتناسب وطموحات طالبي العمل، لتحقيق التوازن في سوق العمل ورفع نسبة مشاركة العمالة الوطنية فيها. ولا بد من وضع حد أدنى للأجور يضمن حياة كريمة معقولة للعمالة السعودية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية