شهر أبريل من كل عام مناسبةً للفرح والحزن معاً في اليابان، حيث تستقبل الشركات موظفيها الجدد مباشرةً من الجامعات وتودع المتقاعدين الذين أمضوا كل سنوات حياتهم العملية في شركة واحدة سلكوا خلالها مسارا طويلا وشاقا في سلّم الترقي الوظيفي.
وتطبق أغلبية الشركات اليابانية نظام ترقيات قائما على الأقدمية، فجميع الموظفين مؤهلون لصعود السلم الوظيفي خطوة إثر خطوة، نظراً لتماثل تعليمهم الجامعي وسلوكيات العمل، ناهيك عن أن الإنجاز لا يُحسب للموظف بل للمجموعة التي ينتمي إليها.
وبالرغم من أن هذا النظام يحقق الرضا الوظيفي والعدالة بين العاملين، إلا أنه يقتضي تمتع الشركة بمعدلات نمو كبيرة ومستمرة حتى يتسنى لها خلق وظائف عليا للأعداد الوفيرة القادمة من أسفل الهيكل التنظيمي.
وفي رأيي أن نظام الترقيات على أساس الأقدمية - مثله مثل أنظمة الإدارة اليابانية الأخرى - فعال فقط أثناء فترات النمو الاقتصادي وليس في أوقات الانكماش، حيث تضطر الشركات إلى خلق وظائف عليا جديدة غامضة المسؤوليات مما يعقد البنية الإدارية ويرفع التكاليف.
لذلك، عمدت بعض الشركات اليابانية مثل إستان للمجمعات التجارية إلى تشجيع التقاعد المبكّر لموظفيها بعد مضي 20 سنة من الخدمة، وخصوصاً لمن لا توجد لهم فرصة للترقي الوظيفي أو لشاغلي مناصب قيادية ويرغبون في التقاعد التطوعي.
كما طوّر بعض الشركات الأخرى عالية التقنية مثل كانون أنظمة ترقية خاصة بها مبنية على الكفاءة، - وليس الأقدمية- بإشراف من لجنة متخصصة مكونة من الإدارة العليا وممثلين للموظفين وفقاً لمعايير صارمة لضمان المساواة في الترقيات السنوية.
وتعتبر أي ترقية في الشركات اليابانية ليست قائمة على أساس الأقدمية أو الكفاءة نوعاً من المحسوبية المرفوضة من قبل الإدارة والموظفين والمجتمع بشكل عام، الأمر الذي يسبّب فوضى في الشركة وسخط العاملين، ويحدّ من قدرتها على جذب خريجي الجامعات المتميزة.
وطالما أن الشيء بالشيء يُذكر، فقد أجرت شركة مساهمة سعودية تملك الدولة فيها حصة الأغلبية أخيرا استبيانا لاستطلاع آراء الآلاف من موظفيها عن العقبات التي تعترض مسيرتهم الوظيفية، حيث أشار أكثر من 80 في المائة إلى تفشي المحسوبية في الشركة.
تفشي وباء المحسوبية كأساس للترقي الوظيفي في بعض شركاتنا المساهمة جعلها تبدو كما لو كانت شركات عائلية يديرها عدد محدود من أصحاب الحظوة ـ وليس الكفاءة ـ تحف بهم مجموعات كبيرة من الخبثاء الأجانب.
ويبدو أن عدوى المحسوبية أصابت هؤلاء الأجانب، فمنذ أن تولى أحدهم مسؤولية تطوير وترشيح القادة في شركة مساهمة، ورعاة البقر يتكاثرون عاماً بعد آخر بموجب عقود تقديم خدمات استشارية حتى لا تؤثر أعدادهم الكبيرة في نسب السعودة التي شهدت تراجعاً مخيفاً.
وقد أصبحت إعادة الهيكلة المتكررة في شركاتنا البتروكيماوية مثلاً كلمة حق أريد بها باطل، ظاهرها تحسين الأداء وتقليل النفقات، وباطنها خلق مناصب قيادية وهمية للمقربين، أو إحلال خواجة محل نائب رئيس سعودي تم تحميله مسؤولية انخفاض الأسعار المفاجئ أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة.
وليس غريباً ـ والحال كذلك ـ أن هذه الأزمة أخذت شركاتنا على حين غرة، وهو ما يبدو جلياً من استجاباتها المتأخرة والمتخبطة واستمرار تآكل أرباحها للوفاء بالتزاماتها المالية حتى كادت أن تسبح عارية حين انحسر المد (المالي).
وفي رأيي، أن هذا التخبط الذي يشبه دخول مباراة ملاكمة معصوب العينين يعود إلى العجز الإداري الذي أصاب كبار المديرين التنفيذيين وبقية (الشلة) من المقرّبين والخواجات في بعض شركاتنا المساهمة وذلك لعدة أسباب، ومنها على سبيل المثال:
* قرارات الاستثمار والاستحواذ الخاطئة قبل الأزمة.
* غياب خطط استباقية وجاهزة لإدارة الأزمات.
* تآكل الأدوات المالية للوفاء بالتزامات الشركة.
* جشع بعض كبار المديرين التنفيذيين.
* غياب سياسات الترقي الوظيفي العادلة.
طبعاً، هناك شركات سعودية تطبق نظم ترقيات ناجحة ـ مثل شركة أرامكو ـ يتعيّن على شركاتنا التي تملك الدولة فيها حصة الأغلبية أن تستوعبها وتحتذي بها.
وفي هذا السياق، أتفق مع الأستاذ سليمان الحربش، مدير عام صندوق أوبك للتنمية على أن بناء وصيانة الطاقات البشرية المؤهلة لخدمة الاقتصاد الوطني هو أمر لا يمكن تحقيقه إلا مع الإمكانيات المتوافرة لشركة أرامكو، لكونها قطب التنمية الحقيقي في المملكة (الاقتصادية، العدد 5816).
فالمملكة - والله الحمد - مليئة بالخبرات المؤهلة لقيادة شركاتنا المساهمة، التي تفوق فيها بعض كبار المديرين التنفيذيين الحاليين، فليس صحيحاً أن (ما في البلد إلا هذا الولد).
يُتيح هدوء عاصفة الأزمة الاقتصادية العالمية فرصة لتقييم أسباب العجز الإداري في بعض شركاتنا، الذي يعود إلى تفشّي ظاهرة المحسوبية، مما أدى إلى (توريطنا) في استثمارات واستحواذات فاشلة هوت بأرباح المساهمين وقضمت الأدوات المالية لمواجهة الأزمة، وهو ما يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجمعيات العمومية لإحداث تغييرات جذرية تشمل كبار المديرين التنفيذيين ... فهل يكون الشهر القادم فرصة للتغيير مثلما هو مناسبة للفرح والحزن في اليابان؟
