الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 27 مايو 2026 | 10 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

منطقة اليورو والعجز عن سداد الديون

سيمون جونسون
بيتر بوون
الأحد 21 مارس 2010 3:44

قد تكون كازاخستان بعيدة كل البعد عن منطقة اليورو، ولكن تجاربها الاقتصادية الأخيرة كانت وثيقة الصلة بالمصاعب المؤلمة التي يمر بها اليورو في الوقت الحالي. ففي حين تكافح منطقة اليورو أزمات الديون والتقشف المالي في البلدان الأعضاء الأكثر ضعفاً، تخرج كازاخستان من الانهيار الحاد الذي شهده نظامها المصرفي أخيرا وقد حققت انتعاشاً اقتصادياً قوياً.

كانت كازاخستان طيلة القسم الأعظم من العقد الماضي تعتمد تمام الاعتماد على الإقراض السخي المسرف من جانب البنوك العالمية ـ تماماً كما كانت حال بلدان جنوب أوروبا. فقد بلغ إجمالي اقتراض بنوك كازاخستان من الخارج ما يعادل 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتم استخدام الكثير من هذه الأموال في تمويل مشاريع التشييد والبناء. ومع استمرار الأموال في التدفق إلى الداخل، ارتفعت الأجور، وارتفعت أسعار العقارات حتى بلغت مستويات نظيراتها في باريس، وخدع الناس أنفسهم فتصوروا أن كازاخستان أصبحت آخر نمور آسيا.

وفي عام 2009 انتهى الحفل الصاخب على نحو فجائي مؤلم حين قرر اثنان من البنوك الاستثمارية العالمية القوية التعجيل بعملية سداد القروض المستحقة لهما ـ على أمل استرجاع أموالهما. أما حكومة كازاخستان التي كانت في ذلك الوقت تسعى جاهدة إلى دعم بنوكها التي توسعت على نحو مبالغ فيه من خلال ضخ رؤوس الأموال وعمليات التأميم، فقد استسلمت وقررت الكف عن المحاولة. فعجزت البنوك عن سداد قروضها، وتحمل الدائنون تخفيضات ضخمة على القيمة الأصلية لمستحقاتهم أو ودائعهم.

ولكن ـ وهنا نأتي إلى النقطة المهمة ـ مع شطب ديونه، أعيد تمويل النظام المصرفي الآن وبات قادراً على دعم النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من التخلف عن سداد الديون، فقد نجحت هذه البداية الجديدة في توليد تحول هائل.

إن النهج الغربي في التعامل مع البنوك الطائشة مختلف تماماً. فقد حققت إيرلندا (النمر الأوروبي) نمواً هائلاً على مدى العقد الماضي، وهو ما كان راجعاً في جزء منه إلى التدفقات الائتمانية الضخمة إلى ''المجمع المصرفي العقاري''. ولقد بلغت قروض النظام المصرفي الإيرلندي من الخارج 100 في المائة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي ـ وهو ما يعادل ضعف الناتج المحلي الإجمالي في كازاخستان. وبانهيار الاقتصاد العالمي في عامي 2008 و2009 انتهى الحفل الإيرلندي أيضاً.

ولكن هنا موضع الاختلاف بين القصتين، أو على الأقل حتى الآن. فبدلاً من حمل دائني البنوك الخاصة على تقبل خفض أصل الدين، قررت الحكومة الإيرلندية تحميل دافعي الضرائب عبء الدين بالكامل. وتواجه الحكومة الآن عجزاً في الميزانية بلغ 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك على الرغم من خفض أجور القطاع العام. والآن تخطط الحكومة لتنفيذ المزيد من التخفيضات من أجل سداد ديون البنوك المفلسة.

والآن أصبحت اليونان على نفس مفترق الطرق الذي بلغته كازاخستان وإيرلندا: فقد دأبت الحكومة على الاقتراض بكثافة طيلة العقد الماضي، وأهدرت الأموال على القطاع العام المتضخم المنظم نقابياً (بدلاً من إنفاقها على العقارات الحديثة ـ الشاغرة)، فاقترب الدين الحكومي من 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

الواقع أن العملية الحسابية رهيبة ببساطة. فلكي تتمكن اليونان من تسديد الفوائد فقط على ديونها ـ بدلاً من إدراجها في قروض جديدة ـ بحلول عام 2011، فلا بد أن تنجح الحكومة في تحقيق فائض أولي في الميزانية (أي باستثناء أقساط الفائدة) يبلغ 10 في المائة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يتطلب خفض الإنفاق بما يقرب من 14 في المائة أخرى من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن اتخاذ التدابير اللازمة لجمع العائدات، وإذا ما تحقق ذلك فهذا من شأنه أن يجعل من هذه العملية واحدة من أضخم محاولات التسوية المالية في التاريخ.

والأسوأ من ذلك أن أغلبية أقساط الفائدة الضخمة هذه ستذهب إلى ألمانيا وفرنسا، وهذا يعني بالتالي استقطاع المزيد من الدخل من الاقتصاد اليوناني. وكي تتمكن اليونان من سداد بعض هذه الديون ستحتاج إلى برنامج تقشف صارم يدوم لعقود من الزمان. وهذا البرنامج من شأنه أن يتسبب في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي اليوناني إلى مستويات أدنى كثيراً من تلك التي بلغها نظيره الإيرلندي حتى اليوم. ويتعين على موظفي القطاع العام في اليونان أن يتوقعوا فضلاً عن ذلك انخفاضات كبيرة في رواتبهم، وهو ما من شأنه في ظل المناخ السياسي المتوتر في اليونان أن يشكل طريقاً أكيداً إلى مستويات خطيرة من الصراعات الأهلية وأعمال العنف.

إن الزعماء الأوروبيين مخطئون إذا تصوروا أن اليونان قادرة على التوصل إلى حلٍ لمعضلتها من خلال استئناف عمليات الإقراض الطبيعية في السوق. فاليونان لا تستطيع ببساطة أن تتحمل تكاليف سداد ديونها بأسعار فائدة تعكس حجم المجازفة المتأصلة. والوسيلة الوحيدة لإعادة تمويل ديون اليونان على مستوى ميسور التكاليف تتلخص في منحها قروضاً مدعومة طويلة الأجل وكافية لتغطية جزء ضخم من ديونها التي ستستجد في السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. وحتى في ظل هذه الشروط السخية فربما تحتاج اليونان إلى تعديلات مالية شاقة تعادل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لمجرد اكتساب القدرة على العودة إلى مسار ديون أكثر استقرارا.

والبديل المتاح أمام اليونان هو أن تدير عجزها عن سداد الدين بأسلوب نظامي. كان إقراض الدولة اليونانية على هذا النحو المتهور مستنداً إلى قرارات بالغة الرداءة اتخذها الدائنون الأوروبيون. والواقع أن التخلف عن السداد يلقن الدائنين ـ وحكوماتهم ـ درساً مهماً، كما يلقن المدينين درساً مفاده أن الخطأ يكلف المال، وأن من يخطئ عليه أن يتحمل عواقب الخطأ.

مع مرور كل يوم يصبح من الواضح على نحو متزايد أن إعادة هيكلة ديون اليونان أمر لا مفر منه. ولا بد أن شكلاً من أشكال التخلف عن السداد سيُفرَض على اليونان، وقد يكون هذا هو البديل الأفضل. إن التخلف عن السداد سيكون مؤلماً ـ ولكن هذه ستكون الحال مع أي حل آخر. والتخلف عن السداد، مع إعادة الهيكلة ''النظامية''، من شأنه أن يضع الشؤون المالية اليونانية على مسار مستدام على الفور.

وبعد مفاوضات شاقة قد يكون بوسع الحكومة اليونانية ودائنيها في نهاية المطاف أن يخفضوا ديون اليونان إلى النصف. وستحتاج البنوك اليونانية إلى إعادة التمويل، ولكنها بعد ذلك ستتمكن من العودة إلى منح قروض جديدة.

والتخلف عن السداد من شأنه أيضاً أن يحمل الدائنين جزءاً مناسباً من تكاليف هذه العربدة اليونانية المسرفة. ويتعين على الألمان والفرنسيين أن يضخوا أموالاً جديدة إلى بنوكهم (ولعلهم يصبحون أخيراً أكثر انفتاحاً على التنظيمات الأكثر إحكاماً من أجل منع تكرار ما حدث)، وسيصبح العالم أجمع أكثر حذراً بشأن إقراض الجهات السيادية المسرفة.

في نهاية المطاف، ومن خلال تلقين الدائنين درساً ضرورياً، فقد يتبين أن التخلف عن سداد الديون في منطقة اليورو كان بمثابة خطوة أساسية نحو تأسيس نظام مالي أوروبي ـ وعالمي ـ يتمتع بصحة أوفر.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية