الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 30 مايو 2026 | 13 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الجنادرية 25 انعطافة كبرى

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
السبت 20 مارس 2010 4:55

بدأ مهرجان الجنادرية بسباق للهجن قبل عقدين ونصف من السنوات.. لكن السباق كان مرسوما له مسارات أخرى غير مضمار الهجن.. فالقائد آنذاك، في ولايته للعهد ورئاسته للحرس الوطني، كان مهموما بهواجس تتصل بعبق هذه الأرض ورائحتها التاريخية وما يبين ملامح وسحنات كيانها وما يقدم شجنها ومخزونها الروحي وعراقة تراثها وأعرافها وتقاليدها.. كان تاريخ الجزيرة العربية، صحراء وجبلا وسهلا وواديا وساحلا، يشغل بال عبد الله بن عبد العزيز المواطن الملك قادرا على الدفع بالحلم من هاجس إلى واقع حي نابض يشاهد ويسمع ويعاش بالحواس.

وهكذا كان.. فما إن انتهى المهرجان الوطني الأول للتراث والثقافة حتى اشتعلت أرض الجنادرية بأقدام الرجال وسواعدهم تشيد صروحاً ومعالم من الطين وجذوع الأثل وسعف النخيل في مساحة شاسعة تقاسمت السوق والقرية الشعبيتين وأجنحة للجهات الحكومية وإمارات المناطق لتعرض فيها منجزاتها أو مقتنياتها التراثية وما دق وجل من مفردات التحف والأثريات أو الحداثة.

بيئة شعبية ثرية بملامح الأمس أعلنت هوية الوطن بشكل شاهق في فضاء الجنادرية، بل شكلت هذه البيئة مسرحا دراماتيكيا لفعاليات الدورة الثانية للمهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي حفل برنامجه، إضافة إلى سباق الهجن بسباقات نوعية بهيجة، منبرية أو استعراضية فالسوق الشعبي اكتظ بصناعات الأجداد وحرفهم ومهنهم تؤدى على مرأى من الجميع في حوانيت تستدعي صورة الأيام الخوالي شكلا ومضمونا، بينما غمرت الساحات عروض الألعاب الشعبية وحلقات الدرس القديمة، فضلا عن الأزياء والأدوات والحلي وأنواع الألعاب والأطعمة التقليدية والقهوة والأشربة والعود والبخور والتوابل والعطور وبالجملة.. طقس تراثي عابق مزركش له طعمه ولونه وصوته يأخذ الزائر من حاضره إلى غابره في رحلة حنين ومتعة.

ليس هذا فقط هو ما حدث من نقلة كبرى في الدورة الثانية للمهرجان، بل طارت مئات الدعوات خارج الوطن إلى مثقفي ومفكري وفناني العالم العربي ليحلوا ضيوفا على المملكة العربية السعودية في كنف المهرجان ومنظميه ووسط حفاوة غامرة ترحيبا بهم للاستمتاع بمباهج المهرجان أو المشاركة في فعالياته وأبرزها الندوة الكبرى التي تتولد عنها ندوات نوعية في مواضيع مهمة علاوة على أمسيات شعرية وأخرى قصصية ومحاضرات ولقاءات ومعارض للكتاب وللفن التشكيلي والتحف والآثار.. كما طارت الدعوات للكتاب والمثقفين والمفكرين والفنانين السعوديين من جميع المناطق ليشاركوا في أنشطته وليحلوا في ضيافة المهرجان ومنظميه أيضا.

هذه الانعطافة الكبرى في مهرجان الجنادرية بعد دورته الأولى ظلت تزداد زخما وتتوسع في الأنشطة والحضور دورة بعد دورة، وسجل المهرجان على مدى ربع قرن حضورا عربيا وعالميا لافتا، كان خلالها مقصد عديد من الدارسين والبحاث المهتمين بتراث المملكة وثقافتها سواء من عالمنا العربي أو من بلدان أجنبية غربية وشرقية.

ميزة المهرجان الوطني للتراث والثقافة عن غيره من المهرجانات الثقافية النظيرة أنه أشبه بمسرحة كاملة للأمس بشكل حي، فضلا عن أنه تم تكريس محاور فكرية جوهرية تنويرية خلال فعالياته مثل علاقة التراث بفنون الإبداع قصصا، مسرحا، رواية، شعرا، ونقدا، بجانب قضايا إشكالية معاصرة مثل علاقة الغرب بالإسلام ما فتح مساحة الاستنارة الثقافية إلى أن تصل بإشعاعاتها ليس لمن حضر هذه الفعاليات فحسب وإنما لمن سمع ولمن قرأ ولمن حاور أو تواصل معها بشكل من الأشكال.

هذا الامتياز (المسرحة الحية للأمس ومحاور الاستنارة الفكرية)، هو ما أكسب هذا المهرجان هويته، وخصوصيته وتميزه، وهو ما ينبغي الحرص على استدامته وتعزيزه وتعميقه وإثرائه بروافد ومصادر قادرة على إبقائه حيا نضرا متوهجا مالكا لجاذبية لا تقاوم، تستأثر بمزيد من المعجبين وبمزيد من التألق في الشكل والمضمون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية