جاء قرار مجلس الوزراء الموقر ليحمي الشيك بفرض إجراء التوقيف والحبس الاحتياطي على مصدر الشيك عندما لا يكون له رصيد كاف للوفاء بقيمته، وبذلك سيحدث هذا القرار تغييرا جذريا في الكيفية التي سيتم التعامل بها مع الشيكات بلا رصيد من الآن فصاعدا رغم أن نظام الأوراق التجارية نص على تجريم سحب الشيك بلا رصيد أو برصيد غير كاف، فالقرار تأكيد على أن الجهات التنفيذية عازمة على فرض عقوبة السجن والتي تضمنها النظام نظريا ولكنها منذ صدور نظام الأوراق التجارية لم تدعم بآلية تنفيذ وصلاحية نظامية، فمن المعلوم أن تصنيف الجرائم في المملكة يعتمد على خطورة الجريمة على المجتمع واعتبار التوقيف أو الحبس الاحتياطي إجراء يقتصر تطبيقه على الجرائم الكبيرة فقط والتي لم تكن جرائم الأوراق التجارية من ضمنها.
لقد كان بالإمكان أن تقترح هيئة التحقيق والادعاء العام على مرجعيتها الإدارية وهي وزارة الداخلية، إدراج جرائم الشيك ضمن الجرائم الكبيرة، ولكن لأهمية وخطورة هذا الإجراء وتأثيره في الأفراد والمؤسسات والشركات الذين تساهلوا في سحب الشيكات بلا رصيد، بل غيّروا في وظيفة الشيك ليصبح أداة ضمان وإثبات لحقوق مالية حتى سار على ذلك عديد من وكالات بيع السيارات وغيرها من الممولين. هذه الأهمية رفعت مستوى إصدار القرار ليكون من أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، وهي مجلس الوزراء مما يعطي قوة إلزامية من ناحية وأيضا يوصل رسالة صارمة إلى كل من يحمل دفتر شيكات أيا كانت صفته القانونية شركة أو مؤسسة أو مواطنا أو مقيما بأن الشيك يجب أن يكون له رصيد كاف عند سحبه.
إن هذه الظاهرة التي أدت إلى التساهل في إصدار الشيكات بلا رصيد تصاعدت في كمها وتأثيرها في حجم القضايا لدى وزارة التجارة، بل أثرت في مصداقية المتعاملين في الأسواق وأضرت بالثقة بالنظام المصرفي وحمايته للأوراق الصادرة عنه وعلى حسابات عملائه، كما أن التقارب بين القوانين في معظم دول العالم والتي توجب حقا عاما على من يصدر شيكا بلا رصيد يطرح تساؤلا دائما عن ذلك التباين بين ما هو منصوص عليه في النظام وما هو مطبق فعلا.
إن الآلية التي سيتم بها تطبيق قرار مجلس الوزراء بالتوقيف لكل من يصدر شيكا بلا رصيد كاف ستكون بالنظر إلى تاريخ صدور هذا القرار، فليس هناك توقيف على من سحب شيكا بلا رصيد قبل هذا التاريخ، كما أن التاريخ المحرر به الشيك هو الواقعة التي ينظر إلى تاريخها حيث يتم توقيف محرري الشيكات المؤرخة بعد تاريخ قرار مجلس الوزراء ذلك أن علم الكافة مطلوب لتحقيق عنصر الردع والزجر، كما أنه لن يتم الرجوع إلى ما قبل تاريخ القرار وتوقيف أحد ممن حرروا الشيكات لأن القانون سيسري بأثر مباشر وليس بأثر رجعي، وهذا النهج العادل الذي تسير عليه الدولة في تطبيق القانون معلوم لدى المتخصصين وغيرهم.
لقد بالغ البعض في حجم ظاهرة الشيكات بلا رصيد وأوردوا أرقاما غير صحيحة وبالغوا في طلب تطبيق التوقيف على العملاء الذين حرروا شيكات بلا رصيد في عام 2009، وهذا غير مقصود من إصدار القانون، فالماضي له حكمه والحاضر له معالجة جديدة تهدف إلى تفعيل العقوبات، وفي مقدمتها عقوبة السجن، ولا فرق بين العام الماضي أو الذي قبله، فكلها في حكم ما قبل صدور قرار مجلس الوزراء، وإن من المؤكد أن هذه الظاهرة ستختفي تماما ولن يبقى سوى حالات فردية لا تصل إلى درجة الظاهرة التي أصبح إيقافها أمرا مطلوبا لا تنازل عنه.
