قطع القضاء العام شوطا كبيرا في تقرير إنشاء المحاكم التجارية في المملكة, وذلك بفتح ثلاث محاكم تجارية في المدن الرئيسة, وهي: الرياض, جدة, والدمام, وإنشاء دوائر استئنافية مكونة من ثلاثة قضاة للنظر في القضايا التجارية في المحاكم العامة في كل من: مكة المكرمة, المدينة المنورة, بريدة, حائل, تبوك, أبها, جازان, نجران, الباحة, عرعر, وسكاكا. وهذه الخطوة تعد البداية الحقيقية لإنشاء القضاء التجاري وتطبيق نظام القضاء الجديد وآلياته التنفيذية التي أخذت بمبدأ التخصص في إنشاء المحاكم بحسب نوع القضايا والحرص على وجودها في جميع المناطق بدءا بالمناطق الرئيسة التي تحظى بنشاط تجاري واسع للشركات والمؤسسات والأفراد.
إن إنشاء محاكم تجارية منعطف تاريخي في مسيرة القضاء السعودي الذي يشهد في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله, قفزة نوعية في ترتيب الهيكلة الإدارية والتنظيمية والتوافق مع أحدث ما تقرره الأنظمة في العالم لتعزيز دور القضاء في تحقيق العدالة وإيصال الحقوق إلى أصحابها, وهو مشروع وطني ضخم يأتي في إطار الإصلاح والتحديث الشامل لجميع مرافق الدولة وبدأ بالفعل يؤتي ثماره, حيث سينعكس إيجابا على الأداء المطلوب لمرفق القضاء بالذات في مرحلة انفتاح الأسواق بين دول العالم نتيجة لتحرير التجارة وتوثيق العلاقات التجارية بين اقتصادات العالم عن طريق جذب الاستثمارات الأجنبية وتحفيز الشركات العالمية على افتتاح فروع لها في المملكة وجذب رؤوس أموال قادرة على نقل التقنية والخبرة لتحسين وتفعيل القطاعات الصناعية والخدمية في الأسواق المحلية.
لقد أصبح القطاع الخاص في المملكة أمام محاكم متخصصة تقوم على مبدأ النظر في القضايا التجارية بأنواعها ولن يستثنى منها سوى ما نص النظام على استثنائه وهي المنازعات المصرفية ومنازعات التأمين ومنازعات الأوراق المالية, حيث ستبقى هذه الاختصاصات لتلك اللجان التي أنشئت في وقت سابق لهذا الغرض حتى يتم تكامل المحاكم التجارية وتجاوزها تجربة النجاح الضرورية قبل التوسع في شمولية المحاكم التجارية لكل ما يندرج تحت هذا الاسم من منازعات وقضايا وحقوق, كما أن المرحلة الانتقالية لن تكون متعجلة, فهناك لجان لمنازعات الأوراق التجارية ولجان للغش التجاري, والأهم من هذا كله أن هناك دوائر تجارية في ديوان المظالم تمثل القضاء التجاري الحالي والمؤقت, حيث يفترض أن يتم انتقال أصحاب الفضيلة القضاة في تلك الدوائر التجارية إلى المحاكم التجارية الجديدة في القضاء العام لينقلوا خبرتهم وممارستهم الطويلة في القضاء التجاري إلى تلك المحاكم, وذلك لضمان جودة الأداء والتطبيق الصحيح للأنظمة التجارية والعقود التجارية والعرف التجاري وغير ذلك مما هو صلب القضاء التجاري عمليا ونظريا.
إن عجلة تحديث الأنظمة التجارية وإنشاء القضاء التجاري سيسهمان في أداء جيد للمتعاملين في الأسواق ويعززان الثقة بينهم في القانون التجاري وكذلك القضاء التجاري, والمؤمل أن يرافق هذه الخطوة تحرك متزامن للذهنية القضائية في سرعة تطبيق القانون وتسريع الفصل في القضايا التجارية, حيث يقوم العامل الزمني بدور رئيس في الأهمية المالية لأطراف النزاع الذين يضرهم تأخير النظر والفصل في حقوقهم وترتب نتائج تعرقل حركة رأس المال لطرفي النزاع أو أحدهما, وهو احتمال دائم في معظم المنازعات التجارية.
إن المحاكم التجارية ستفتح أبوابها قريبا للتجار من شركات ومؤسسات وأفراد, وستفرض ثقافة حقوقية من حيث الاختصاص القضائي والقوانين السارية وطبيعة العمل التجاري وخصائصه ومميزاته مع توعية غير مباشرة للتجار في أعمالهم التجارية المستقبلية بما يختصر عليهم بعض الجهد والوقت, كما أن التحكيم التجاري سيأخذ وضعه الملائم ومكانته اللائقة به ليخفف عبء التقاضي وتكلفة الخصومة ونتائجها على التجار.
