صمدت الصين في وجه الركود الأعظم وتغلبت عليه. والآن ينتظر العالم ليرى ما إذا كانت الصين ستتمكن من دعم استمرار الطلب المحلي الذي شهد نمواً كبيراً في العام الماضي، وما إذا كانت قادرة، على حد تعبير وين جيا باو رئيس الوزراء الصيني، ''على إفساح المجال كاملاً أمام الدور الذي يلعبه الطلب الاستهلاكي في دفع عجلة النمو الاقتصادي''.
لقد تأخر المستهلك الصيني لفترة طويلة للغاية، والآن بات من الواجب أن يوضع في مقدمة ومركز النموذج الصيني للنمو. والواقع أن الحكومة الصينية تتحرك الآن بالفعل على جبهات متعددة من أجل تحقيق هذه الغاية، كما اتضح لنا من تصريحات مؤتمر الشعب الوطني في الأسبوع الماضي.
ومن بين عديد من العوامل التي أدت إلى تضاؤل حصة الاستهلاك في الاقتصاد الصيني فإن انخفاض ذلك القسم من الدخل الذي تستطيع الأسر الصينية التصرف فيه يشكل أهمية مركزية. ولقد عكس ذلك بدوره انخفاض دخل العمالة كحصة في الاقتصاد. ويرجع ذلك جزئياً إلى التغيرات البنيوية التي أدت إلى انتقال العمال من الزراعة (حيث ترتفع حصة القوى العاملة في الدخل) إلى التصنيع (حيث يسيطر رأس المال على حصة أكبر من الدخل).
وبالتزامن مع تضاؤل دخل العمالة، كان السقف الذي فرضته الحكومة على الودائع المصرفية ـ المحرك الأساسي للمدخرات بالنسبة لأغلب الأسر الصينية ـ سبباً في إبقاء الدخل الرأسمالي للأسر منخفضاً. ولقد تضخم هذا الانخفاض في الدخل بفضل ارتفاع معدلات ادخار الأسر نتيجة لشعورها بعدم كفاية الرعاية الصحية ورعاية الشيخوخة، وارتفاع تكاليف التعليم، وتنامي التفاوت في الدخول، والميول الديموغرافية.
ما العمل إذاً؟ كنت قد حضرت أخيرا ورشة العمل التي نظمها صندوق النقد الدولي في بكين، والتي ضمت عدداً من المسؤولين والأكاديميين الصينيين، والمحللين الدوليين، وموظفي صندوق النقد الدولي لمناقشة أفضل السبل لحفز الاستهلاك الأسري في الصين. ولقد أكد المشاركون في ورشة العمل على ضرورة إحداث تغييرات في مناطق متعددة، بما في ذلك تحسين نظام الضرائب والتأمين الاجتماعي، ومواصلة تطوير الإسكان واقتصاد الخدمات، والقضاء على مجموعة من التشوهات النسبية في الأسعار.
ومن بين الأفكار الرئيسة التي طُرِحَت تخفيف عبء الضرائب عن العمالة. فإذا ما أخذنا في الحسبان ضريبة الدخل الشخصي ومختلف اشتراكات الضمان الاجتماعي فسوف نجد أن الضرائب على دخول العمال في الصين مرتفعة أكثر مما ينبغي. لا شك أن الضرائب مطلوبة لتمويل الإنفاق الاجتماعي، ولكن مصادر العائدات غير الضرائب المفروضة على دخول العمال تفي بالغرض. وقد تستفيد الصين من استكشاف إمكانية تحويل جزء من العبء من العمال إلى الممتلكات، ومكاسب رأس المال، وضرائب التركات. ومن الممكن أن تعمل الأرباح الأعلى المدفوعة للميزانية من قطاع أعمال الدولة الذي يحقق أرباحاً عالية على توفير مصدر بديل للتمويل.
وهناك سبيل آخر لتحسين الاستهلاك يتلخص في توفير قدر أعظم من الدعم للأسر الصينية. فقد حملت الأزمة العالمية الحكومة الصينية على المضي قدماً في برنامج الإصلاح الاجتماعي. ولقد شهد العام الماضي تحسينات مهمة لتوسيع تغطية نظام معاشات التقاعد، والتحرك نحو الرعاية الصحية الشاملة، وتوفير التمويل العام للتعليم الأساسي. ولكن هناك المزيد من الجهود القادرة على التعجيل بتنفيذ حزمة الإصلاح القائمة، وإيجاد السبل لتنمية التغطية الكاملة للحوادث الصحية المأساوية، وتنمية التمويل المدعوم من قِبَل الحكومة للتعليم العالي.
ومن الممكن أن يساعد إصلاح سوق الإسكان أيضاً في حفز الاستهلاك. وتشكل التشوهات في سوق العقارات حافزاً قوياً للادخار، ولا سيما بين الشباب الذين يكافحون من أجل تأمين الدفعة الأولى المرتفعة المطلوبة لشراء المسكن الأول. وينشأ جزء من تكاليف الإسكان المرتفعة من النظام المالي غير الناضج، والذي يجعل الإسكان واحداً من البدائل القليلة المتاحة للودائع المصرفية باعتباره مستودعاً للقيمة.
ومن الممكن أن تساعد الملكية أو الضرائب على مكاسب رأس المال في كبح الطلب على الإسكان باعتباره وسيلة للاستثمار. فضلاً عن ذلك فلابد من صياغة سياسة شاملة للإسكان لضمان إتاحة المسكن للجميع، وخاصة ذوي الدخول المحدودة.
ويتصل بكل هذا الحاجة إلى تحسين النظام المالي عموماً. ومن خلال تنمية أسواق صناديق التقاعد الخاصة، والتأمين الصحي التجاري، والمعاشات، فسوف يكون بوسع الحكومة الصينية التوسع في توفير التأمين الاجتماعي وبالتالي إضعاف الحوافز التي تكمن وراء ارتفاع مستويات الادخار التحوطي.وعلى نحو مماثل فإن توسيع نطاق الأدوات الادخارية المتاحة من شأنه أن يزيد من مستويات الدخل المتاح الذي تستطيع الأسر الصينية التصرف فيه، وهو ما من شأنه بالتالي أن يزيد من مستويات الاستهلاك. والنظام المالي الأكثر تطوراً سيوفر البدائل للعقارات بوصفها مستودعاً للقيمة، وهو ما من شأنه أن يجعل ملكية المساكن أكثر يسراً. وسيتم بحث هذه القضايا بقدر كبير من العناية في غضون هذا العام في حين تتعاون الحكومة الصينية مع صندوق النقد الدولي فيما يتصل بإنشاء برنامج لتقييم القطاع المالي في الصين. من المؤكد أن دعم اقتصاد الخدمات الحيوية من شأنه أن يعزز الاستهلاك أيضاً. وفي الأعوام المقبلة سيشكل اقتصاد الخدمات الناضج عنصراً أساسياً في زيادة فرص العمل والحد من اعتماد الصين على التصنيع.
ولكن حفز النمو السريع في قطاع الخدمات يشكل مهمة بالغة التعقيد. ولابد من خفض حواجز الدخول، وخاصة في الصناعات الخدمية التي تهيمن عليها قِلة من الشركات المملوكة للدولة. ولا بد أيضاً من إزالة تشوهات الأسعار الرئيسة التي تحابي شركات التصنيع التي تعتمد على العمالة الكثيفة، وذلك برفع تكاليف الأراضي، والطاقة، والمياه، ورأس المال. وسيكون تغيير بنية الضريبة مفيداً أيضاً. وفي الوقت الحاضر تشكل الصناعة المصدر الرئيس للعائدات الضريبية للحكومة، وخاصة على المستوى المحلي، الأمر الذي يعطي الدولة أقل القليل من الحوافز لدعم اقتصاد الخدمات.
وأخيراً، لا بد أن يشكل الرنمينبي (عملة الصين) القوي جزءاً لا يتجزأ من حزمة الإصلاحات التي تهدف إلى تعزيز الاستهلاك. ذلك أن العملة الأكثر قوة من شأنها أن تزيد من دخل الأسر. ومن شأنها أيضاً أن تخلق حافزاً قوياً لتوسع الشركات في اقتصاد الخدمات، وبالتالي توفير المزيد من فرص العمل والخيارات بالنسبة للمستهلكين الصينيين.
وفي اعتقادي أن التنمية في الصين ستدخل عصراً جديداً إذا تمكنت الحكومة الصينية من تعزيز الاستهلاك والحفاظ على استدامته. وإذا تسنى للحكومة الصينية تحقيق هذه الغاية فإن النمو الاقتصادي سيستمر بخطوات سريعة، فتتولد بذلك فرص العمل وتزداد الرفاهية الاجتماعية، فيقل الطلب على الموارد الطبيعية، وفي النهاية يتعزز النمو العالمي الأفضل توازناً.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
www.project-syndicate.org
