ليس من الضروري أو من المهم جداً أن يكون المدير أو المسؤول عن المنظمة ملماً بكل التفاصيل الفنية الدقيقة للمنظمة التي يديرها، وألا تفوته صغيرة ولا كبيرة فيها..؟!
لكن من المهم جداً أن يبذل الجهد كله من أجل اختيار الأعوان الأكفاء الذين لديهم القدرة والكفاءة العالية، والذين يستطيعون التعامل مع كل مستجدات العمل وتفاصيله الفنية بجدارة ومرونة، ثم يقوم بعد ذلك بالتنسيق بينهم وحثهم وتشجيعهم من أجل الوصول بالمنظمة إلى أعلى مستويات الإنتاج والإبداع، لأن الإحاطة بكل تفاصيل العمل أمرٌ في غاية الصعوبة، بل قد يكون مستحيلاً من الناحية التطبيقية، حتى لو كان يبدو ممكناً من الناحية النظرية. كما أنه لا يضمن السير بالمنظمة في الاتجاه الصحيح وقد يشتت ذهن القائم على رأس الهرم الإداري في المنظمة ويشغله عن اتخاذ القرارات المهمة والمصيرية، إضافة إلى أن التدخل في كل صغيرة وكبيرة وعدم إعطاء الصلاحيات الأزمة للأعوان الأكفاء سوف يعوق تطور العمل ويشيع جواً من الفوضى الإدارية داخل المنظمة.
وقبل أن أستشهد بما فعله الغرب والشرق وما يفعلونه في هذا السياق، أحب أن أذكر القارئ الكريم بأن في تاريخنا العظيم ما يغنينا عن مطالعة ما يفعله القوم هنا وهناك، إذ إن التاريخ يحمل في طياته للعرب والمسلمين أروع الأمثلة وأنصع الصفحات في حسن الاختيار وحسن التوجيه، مع إعطاء من يقع عليه الاختيار الصلاحية المناسبة لاتخاذ القرار وتوجيههم عن بُعد دون التدخل في التفاصيل الدقيقة، ومحاسبة المخطئ في حدود خطأه.
فالمصطفى صلى الله عليه وسلم، ولى أسامة وهو ابن الستة عشر ربيعاً قيادة جيش فيه كبار الصحابة، لما أنس منه الكفاءة دون النظر إلى عامل السن.
وحينما تولى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة، طلب من أحد علماء عصره النصيحة، فقال له ذلك العالم النبيه الحاذق: اختر أكفا الأعوان ثم حاسبهم.
وفي عالم الإدارة اليوم أذكر أنني قرأت مقابلة مع الرئيس التنفيذي لشركة «إي بي إم» لصناعة الحاسب الآلي، وقد سئل فيها عن السر وراء ذلك النجاح العظيم الذي حققته الشركة في عهده، وهل كان وراء ذلك النجاح إلمامٌ بمعظم التفاصيل الفنية في صناعة الحاسب الآلي، فكانت إجابته مفاجئة للقراء (وليست مفاجئة لي)، وهي كما يقول: «إنني طوال فترة عملي كرئيس تنفيذي لشركة «إي بي إم» العملاقة لم أكن محيطاً بكل تفاصيل العمل الدقيقة، ولم أبذل جهداً كبيراً في ذلك، لكن تركيزي في المقابل كان منصباً على اختيار أكفا الأعوان الذين لديهم القدرة على الإحاطة بتفاصيل العمل الفنية، ولديهم القدرة على الإبداع والتفكير المتواصل، ثم أقوم بالتنسيق بينهم وتشجيعهم وحثهم على مواصلة التفوق والإبداع الذي انعكس على أداء الشركة بصورة إيجابية».
ويضيف قائلاً: لقد نسب الناس ذلك النجاح الذي حققته الشركة لشخصي لأنني كنت أمامهم في الصورة، رغم أنني لم أكن سوى منسق فقط...!!
لذلك فهي همسة في أذن كل مسؤول، بأن لا يشغل وقته بتتبع تفاصيل العمل الفنية، وأن يحسن اختيار الأعوان الأكفاء ممن لديهم القدرة على الإبداع والتطوير المستمر، ثم يعمل على التنسيق بينهم وحثهم وتشجيعهم لكي يسهموا في نقل المنظمة التي يديرها إلى قمة عالية ذات هواء عليل ونجاح كبير.
خلاصة القول: اختر أكفأ الأعوان ثم نم قرير العين....
