ما زالت الأزمة المالية العالمية توقع ضحايا إفلاس جددا بين بنوك وشركات فضلا عن المآسي الفردية.. وقبل أيام أعلنت أربعة بنوك في الولايات المتحدة إفلاسها، كما تحدث تقرير صدر هناك أخيرا عن احتمال إفلاس 700 بنك، فيما أوروبا لا تبخل بمثل هذه الأخبار السيئة.
تعافي الاقتصاد العالمي من عدم تعافيه بات مضاربة على الأرصدة السياسية للحكومات تحيلها بدورها إلى بنك الأمل وتسريب معدلات نمو إيجابي، فيما يبقى الاقتصاديون الدارسون والمؤسسات العلمية المحايدة ممسكين بالعصا من الوسط أو واضعين أيديهم على قلوبهم خشية أن ينزلق العالم إلى ما هو أسوأ مما عليه الآن.
كانت الأصوات قد تعالت منذ اندلاع الأزمة بضرورة إصلاح النظام المالي العالمي، بين من يرون إعادته إلى قواعده وصرامته قبيل مرحلة ريجن ومارجريت تاتشر، وبين من لا يقرون أصلا بأن منبع المشكلة ناجم عن سيادة ذلك الاتجاه، وإنما العلة كانت بفقدان المرجعية الموحدة للنقد منذ أطاح الرئيس نيكسون بسلطة الذهب، وأعلن تعويم الدولار.
بل إن هناك من يذهب في تقصي مكمن العلة إلى آثار الحرب الباردة التي أدت إلى انهيار المعسكر الشرقي في النهاية، ما أفقد الولايات المتحدة توازنها، وجعل صوابها يطير بنشوة الانتصار، فلا ترى العيوب الغائرة في نظامها المالي، فتركت المقود بيديه دون أن تعيد النظر إلا أن الطريق لم تعد كما كانت، وإن العابرين تغيروا وتداخلت في المسار أمم صغيرة وأخرى كبيرة، من شرق أوروبا، فضلا عن روسيا كدولة كبرى، إلى جانب الصين، والهند، ونمور آسيوية كانت جريحة، لكنها باتت تفرض منهجها على مسيرة الاقتصاد العالمي في حدود قدرتها وتأثيرها الإقليمي.
كان من بين الطروحات التي أخذت طريقها كمقترح، ومفتاح للأزمة المالية الاقتصادية المهيمنة: آليات المصرفية الإسلامية التي استهوت بنوكا ومصارف أوروبية وآسيوية، وسرت عدواها أيضا عبر المحيط الأطلسي .. وسواء كان هذا الاستثمار لطرح المصرفية الإسلامية ناجما عن قناعة حققته بقدرتها على الانتشال من هذه الوهدة، أم حالة انتهازية وجدت فيها مصارف الغرب مدخلا لاستدراج أموال العرب والمسلمين و''طمعا'' في الفوز بمغانم أرباح لم تعد متاحة في ظل انهيار مصارفهم الوطنية!!
نقول .. سواء كان الأمر هذا أو ذاك.. فهو مؤشر على عمق المأزق في النظام المالي والاقتصادي الغربي، أو هو شهادة اعتراف مباشرة (ولو عن طريق غير مباشر) بأن ذلك النظام يبحث فعلا عن خشبة خلاص، ولو كان مما لم يكن يضع له اعتبارا بالأمس.
لا نقصد من هذا الطرح وضع قناعة في النفوس على أن الأزمة المالية العالمية أوصلت المفكرين الاقتصاديين إلى أفق مسدود.. ولا نقصد الزعم بأن المصرفية الإسلامية هي المنقذ وحسب، إنما نقصد أن الغرب ما زال يبدي ممانعة في تقبل حقيقة مسؤوليته عن هذا الانهيار، (حكوماته بالدرجة الأولى)، والدليل هو أن هذه الحكومات ذاتها هي التي سارعت لتستر على الاختلالات الإجرائية في صلب أنظمتها المالية العتيدة، وأنها، على نحو ما، شجعت المصارف والبنوك ومؤسسات المال (بعدم ردعها لها!!) على المضي بعيدا تحت سطوة حاجة الساسة إليها من جانب، وتحت سطوة اغتنام هبوب الرياح المواتية عالميا دون التحوط للأخطار.
وما دعوة بريطانيا أخيرا إلى وضع دستور عالمي للنظام المالي إلا إفاقة قصوى على أن كل المعالجات للخروج من الأزمة لن تكون مأمونة العواقب مستقبلا ما لم تتكئ على مدونة دستورية عالمية يتفق الجميع ويتوافقون ويوقعون عليها كمرجعية حقوقية لها أظفارها وأنيابها القانونية التي لا تسمح لدولة بأن تخرق أسسها ومحدداتها مثلما هو الحال في سائر المدونات الأممية .. فهل يجنح العالم إلى الانضمام لرغبة بريطانيا في ولادة مثل هذا الدستور أم أن الاقتراح سيظل هو الآخر مجرد آخر صيحة من الصيحات في سوق المزايدات السياسية؟!
