الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

د حسين الفريحي .. والهيئة السعودية للتخصصات الصحية

صالح الخنيني
الأحد 7 مارس 2010 4:50

من أصعب الأمور أن تعبر صراحة إيجابا، أو سلبا عن زميل معك في عمل أو في مكتبٍ أو في أي نوع من أنواع المشاركات العملية، فذلك يكتنفه كثيرُ من الإحراج وسوء التفسير.. أما حينما يكون الشكر موجهاً لرئيسٍ لك فليس من المنطق السليم أن تثني عليه وتتصور أن الناس سيصدقونك حتى لو صدقت، أما التفكيرُ في شرح مثالبه ونقائصه فهو انتحارٌ إداري..

وجاء الوقتُ المناسب الآن أن أفيض بلا حرج عما تجمع في نفسي، وقد أكون مصيباً بعيون ناس، وقد أكون مخطئاً في عيون آخرين، ولكن هنا لن يعمد أحدٌ للشك في أقوالي، فالناس يصدقونك وأنت تذكر محاسن المغادرين من الرؤساء والزملاء، وهنا يكون التحرر الكامل من ربقة الشكوك وتحري المنفعة وسوء التفسير.. كما هو حالي تماما الآن مع زميلي وصديقي وأخي الأستاذ الدكتور حسين بن محمد الفريحي الأمين العام للهيئة السعودية للتخصصات الصحية، الذي يغادرنا بعد رحلة من الزمالة الطويلة، ويقال إن زميلـَك في العمل هو أكثر من تقضي معه وقتا مباشرا في حياتك، يعني لو قيست هذه العلاقة بالعلاقات الأخرى في النسبة والتناسب لبلغ العامُ الواحِدُ أعواما.

ومن خلال مسيرة ورحلة عمل استمرت أكثر من اثني عشر عاما، فإني أزعم أني عرفت عنه الكثير، بل يخيل لك أحيانا من عمق وطول وتوثق العلاقة بينك وبين زميلك في العمل أنك صرت تعرف عنه كل شيء، وهذا ما أكاد أجزم أني عرفت عما يخص أخي الدكتور حسين الفريحي، فهو شخص يملك شخصية لا تتكرر كثيرا، فمن أبرز سمات هذه الشخصية البارزة التمييز، فهو رجلٌ صلبُ الرأي، وعنده أن القرارَ يجب ألا يخرج كما تخرج الأفكار، أو كما تقتضي الإجراءات فقط، فهو صُنْعٌ مُنـَظـَّمٌ حريصٌ مبني على كل معلومةٍ كبيرةٍ أو صغيرة والتأكد منها، وقد يقول البعضُ إنه يبالغ في ذلك، لأنه يجري هذا على القرار الكبير والصغير، غير أنه لا يأبه، فالذي يأخذ كل القصد والاهتمام لديه أن يخرج القرارُ في أقصى إمكانياته في تحري الصحة والفاعلية. ومن هنا أيضا ندرك تجربة ودرسا مهمّيْن، وهو أنك تتبرم من طريقة صنع القرار أو طبيعة القرار نفسه من أحد صناع القرار، لأنك لا ترى المشهدَ كاملا كما يراه هو ويخطط له، ولا يظهر ذلك إلا الزمنُ عندما يكتمل المسارُ ويتضح الطريق وتبدو النتيجة، وقد كانت طبيعة الدكتور حسين في إخراج القرارات من هذا النوع من الحرص والتمعن الدقيقين، ويتضح الآن وثبت أنه كان يهدف من تلك القرارات أن تخدم غرضا مهما أيضا غير ما خرجت له في حينها ودواعيها، لتكون منهاجا باقيا، ومسارا يُتبع، ونظاما يراعى في تأسيسٍ منهجي في مؤسسة تخدم قطاعاً في غاية الأهمية.

وهي مناسبة الآن بأن أؤيد ما سبق بـ (بعض) إنجازات الدكتور حسين الفريحي ومنها على سبيل المثال لا الحصر، بعد نظره VISION واتساع أفق تفكيره وتخطيطه، فمثلاً عند بناء مبنى الهيئة السعودية للتخصصات الصحية قبل سبع سنوات أصرّ أن يكون بحجم كبير وسعة، رغم قلة الموظفين آنذاك .. بعد هذه السنوات السبع تضاعفت أعداد الوظائف والموظفين مما يؤكد ما ذهبت إليه من تمتع الدكتور الفريحي ببعد النظر .. وما زال المبنى قادراً على استيعاب المزيد، إضافة إلى رغبته في أن يكون هذا المبنى قادراً على استيعاب الهيئة ومهامها وموظفيها لأعوام كثيرة مقبلة، إضافة إلى تأكيد على حرصه على تأسيس نظام متين وجلَيْ لتصنيف الشهادات المهنية وتسجيل الممارسين الصحيين لممارسة العمل الصحي والطبي في المملكة فقام بعديد من الخطوات المهمة التي مثلت حجر الزاوية المتين لتحقيق هذا الهدف الذي كان عصياً ولم يعد الآن كذلك، ومن تلك الخطوات توثيق الشهادات وسلامتها من التزوير وذلك باستقطاب كفاءات مدربة للتأكد من سلامة الشهادات وتدريب بعض الموظفين في إدارة التصنيف والتسجيل في جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية لتدريبهم على كشف التزوير والتعاقد مع شركة متخصصة في مجال التأكد من سلامة الشهادات، كما قام بوضع الأسس التي تمكن من التأكد من سلامة الممارس في مجاله المهني وذلك بإجراء امتحان كتابي او تقييمه من قبل لجنة من ذوي الاختصاص والمشهود لهم بكفاءتهم وإمكانية الجمع بين الامتحان الكتابي والتقييم العملي حسب الحال وكذلك فرض إلزامية التصنيف والتسجيل لجميع القطاعات بما فيها الحكومية وربط التسجيل بمشروعية الإقامة للممارسين الصحيين في المملكة في خطوة مهمة شكلت منعطفاً مهماً في دعم عمل الهيئة وهي ضبط عملية الممارسة الآمنة في القطاع الصحي وكذلك فرض إلزامية التأمين ضد الأخطاء الطبية خلال فترة التسجيل تحقيقاً وحفظاً لحقوق من يقع علية الخطأ من جهة وجعل الممارس يكون على أهبة الاستعداد والصفاء الذهني في عملية الممارسة، كما تم إقرار التوسع في البرامج في التخصصات المختلفة، التي تمنح درجة الدكتوراه والزمالة من ستة برامج إلى تسعة وخمسين برنامجاً، والتوصل لاتفاقيات لتدريب الاطباء السعوديين في الخارج مثل ألمانيا وفرنسا وكندا واستحداث وظيفة طبيب تحت التدريب ومساواة الطبيب المتدرب مع الطبيب المقيم.

الدكتور حسين الفريحي له صفة الوفاء مع الجميع، إلا أنه لا يهادن أحدا مهما قرُب أو بعد في المسائل النظامية وبالذات المتعلقة بالأمن الصحي.

الدكتور حسين الفريحي مهما اختلفت معه وخاصمته في العمل يقف عند الاختلاف في وجهات النظر ويبقى الجانب الشخصي مضيئاً لا يتأثر لا من قريب ولا من بعيد، مع مقدرة تلقائية مذهلة على بقاء الصفاء الشخصي لامعاً لا يحُس .. مهما تصاعد الاختلاف العملي.

وقبل أن أنهي حديثي عن الدكتور حسين الفريحي لا يمكن أن ننسى قدرته الاستثنائية التي نعتقد أحياناً أنها فوق طاقة الفرد العادي في تمحيص ومراجعة التقارير والمشاريع مهما تضخمت ملفاتها وكثر العاملون عليها .. وكأن فريقاً آخر مرصود للتصفية الأخيرة. وختاما: المؤسسون لا يغيبون عن الذاكرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية