تختلف توجهات الدول نحو البحث والتطوير التقني، فمنها ما تركِّز على البحوث الأساسية والعلمية بتعاون بين الجامعات والشركات، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى تركِّز على البحوث التطبيقية والتطويرية بمشاركة الحكومات والشركات، مثل اليابان التي سلكت مسارا طويلا انتهى بانضمام الجامعات ليكتمل عقد الترابط الثلاثي Tripartite Linkage. وبدأ المسار خلال ستينيات القرن الماضي في مشروع VLSI كأول بحث مشترك بين الحكومة وخمس شركات متنافسة لتطوير تقنيات الإلكترونيات البصرية Optical Electronics، استغرق أربع سنوات، وفرت وزارة التجارة الدولية والصناعة MITI, 30 في المائة من تكلفته، واستفادت منه الشركات المشاركة مثل كانون ونيكون. أعقب ذلك تأسيس معهد مركزي حكومي للبحث والتطوير التقني في طوكيو لينسِّق المشاريع البحثية مع الشركات، الذي أُشتهر بتطوير مسار مركبات الأمونيا Amonia Synthesis Process, حيث طبَّقته شركة شوا دينكو للكيماويات في عملياتها. ولتفعيل التعاون مع معهد الأبحاث الحكومي، شرعت الشركات المتوسطة والصغيرة ذات الاهتمامات المشتركة بتأسيس هيئات بحث وتطوير مستقلة وبتمويل جماعي, على أن تعود براءات الاختراع إلى الشركات الأعضاء. وشهدت بداية السبعينيات طفرة في إنشاء مراكز بحث وتطوير خاصة بالشركات اليابانية الكبرى، مع استمرار التمويل الحكومي، لكن هذه المرة بمشاركة الجامعات المحلية لتعويض النقص في البحوث الأساسية والعلمية. وبرزت أهمية الترابط الثلاثي بين الجامعات والشركات والحكومة في المشاريع البحثية الوطنية التي تتطلب موارد بشرية ومالية ضخمة، مثل مشروع ضوء القمر Moon Light لتطوير التوليد المشترك لخلايا الوقود. وسنحت لي فرصة الدراسة العليا في جامعة واسيدا في طوكيو زيارة مركز البحث والتطوير التابع لشركة شمزو, حيث يتم العمل على إنجاز أول (روبوت) قادر على أداء أعمال إنشائية، وذلك بمشاركة الجامعة. وما زلت أتذكر حرص البروفيسور المشرف على دراستي على التواصل مع الشركات بداية كل موسم دراسي لتحديد المشكلات التي تواجههم وجعلها مواضيع بحوث الماجستير والدكتوراه, حيث يكون الطالب خلال فترة الدراسة على اتصال بالشركة صاحبة المشكلة التي غالبا ما يلتحق بها بعد تخرجه. في منظومة الترابط الثلاثي الجميع يكسب، فاليابان تزيد من صادراتها لتحسين ميزان المدفوعات, والشركات تطور منتجات جديدة تعزز حصتها السوقية، وتستقطب خريجي الدراسات العليا من الجامعات التي بدورها تستفيد من تمويل البحوث, إضافة إلى حصولها على البيانات الحية لبحوثها وتُخرج أساتذتها من بروجهم العاجية. وعلى الرغم من توسّع الجامعات السعودية في مجالات البحث والتطوير التقني وتوافر الدعم المالي الحكومي، فما زالت شركاتنا الكبيرة تلجأ إلى حلول سهلة وسريعة من خلال تكوين شراكات تقنية مكلِّفة مع شركات غربية وشرقية مثل ما هو حاصل في قطاع البتروكيماويات. هذا التسوَّل التقني يبدو منطقياً في بداية مسيرة التنمية قبل 40 عاماً، لكنه لم يعد مقبولاً في ظل الإمكانات المالية والموارد البشرية الحالية القادرة على البحث والتطوير التقني إذا ما توافرت البيئة البحثية الحاضنة للمبدعين، ولعل ما أنجزته العالمة السعودية غادة المطيري في تطوير تقنية الفوتون، خير مثال على ذلك. وفي رأيي أن علماءنا السعوديين الموجودين في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية وجامعتنا المنتشرة في أنحاء المملكة, التي كانت آخرها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية, قادرون على القيام بالبحوث الأساسية والعلمية مهما كانت صعوبتها، إلا أن المشكلة تكمن في قدرة شركاتنا على تطويرها إلى تطبيقات بدلا من الاكتفاء بالتقنيات المستوردة التي سرعان ما تصبح قديمة في حاجة إلى الاستبدال. وللتعامل مع هذه المشكلة، أكد الدكتور سالم الذياب المشرف على كرسي أبحاث البتروكيماويات في جامعة الملك سعود التركيز فقط على الأبحاث التطبيقية لإنتاج البتروكيماويات الأساسية والوسيطة والنهائية، إضافة إلى تطوير التقنيات الحالية وجعلها أكثر اقتصادية (الاقتصادية، العدد 5795). وفي هذا السياق، تمكَّن فريق البحث في الجامعة عام 2009 من ابتكار طريقة جديدة لتحضير مادة بتروكيماوية بانتقائية عالية لأول مرة، وفي ظروف إنتاج اقتصادية غير مسبوقة وتجهيز وحدة متخصصة لمتابعة الأبحاث المتعلقة بتطبيق المنتج .. فما عذر شركاتنا؟ من الجانب الحكومي، حدّدت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أولوياتها تجاه مِنح الأبحاث التطويرية ومِنح دعم الأفكار الابتكارية العلمية والتقنية، خاصةً تلك الموجهة إلى تطوير منتجات في مجالات النفط والبتروكيماويات والإلكترونيات والهندسة الوراثية والتقنية الحيوية والتقنيات المتقدمة الأخرى (الاقتصادية، العدد 5797). وختاماً، فإن الهيمنة اليابانية على الأسواق العالمية ــ مع نهاية القرن الماضي ــ تعود بشكل كبير إلى الترابط الثلاثي بين الحكومة والشركات والجامعات في مشاريع البحث والتطوير التقني، وعلى الرغم من توافر عناصر هذا الترابط في بيئة الأعمال السعودية، إلا أن شركاتنا الكبيرة ما زالت تلجأ إلى حلول سهلة وسريعة من خلال التسول التقني من الشركات اليابانية وغيرها كما هو حاصل في قطاع البتروكيماويات .. فإلى متى؟
اليابان تبحث وتطوّر وشركاتنا مكتفية بالتسوّل التقني .. فإلى متى؟

سعود بن عبدالعزيز الشبيلي
الأحد 7 مارس 2010 3:51