أخيرا تنفس الشيك الصعداء بعد أن قرر مجلس الوزراء حمايته من ظاهرة الاعتداء عليه واستخدامه بما يخالف النظام، حيث سيتم من الآن فصاعدا توقيف أي شخص يصدر شيكا دون رصيد أو برصيد غير كاف على اعتبار أن ذلك يعد من الجرائم الموجبة للتوقيف على ذمة القضية وهو ما يعرف في جميع دول العالم بالحبس الاحتياطي في الحق العام، فالشيك أداة وفاء مما يوجب وجود رصيد لصرفه من البنك المسحوب عليه، وهذا التفعيل هو أقصى ما توفره القوانين من حماية إضافة إلى تقرير حق المستفيد من الشيك في الحصول على قيمة الشيك.
لقد نجحت وزارة التجارة بعد جهد طويل في إقناع الجهات المختصة بضرورة تفعيل نصوص نظام الأوراق التجارية التي تجرم إصدار الشيكات دون رصيد كاف للسحب من البنوك وكان واضحا توجه وزارة الداخلية وهيئة التحقيق والادعاء العام في الاتجاه ذاته لتحقيق المصلحة العامة، فقد تزايدت قضايا الشيكات وأتخمت لجان ومكاتب الفصل في منازعات الأوراق التجارية بأعداد هائلة من القضايا التي تعكس تساهل الناس في كتابة الشيكات وعدم الاكتراث بنتائجها على السوق وما فيها من إهدار للحقوق الخاصة، وكان مشروع محاربة الشيكات دون رصيد بالتعاون مع الجهات المختصة وإنشاء قاعدة معلومات ائتمانية لكل من يصدر مثل تلك الشيكات هو أحد المشاريع الطموحة لحماية البيئة التجارية والمحافظة على أهم الأوراق التجارية وأكثرها تداولا بين الأفراد والمؤسسات والشركات.
إن الإحصائيات الرسمية تؤكد أن قيمة الشيكات دون رصيد التي أصدرت عام 2007 م بلغت ثلاثة مليارات ريال، مثلت القضايا القائمة منها 500 مليون ريال في آخر ثلاثة أشهر من العام ذاته حسب إحصائيات الغرفة التجارية الصناعية في الرياض، كما أن هناك جهات حكومية أعلنت أن عدد الحالات القائمة فيما يتعلق بالشيكات دون رصيد بلغ 20 ألف حالة، بقيمة إجمالية قدرت حتى العام الفائت بنحو عشرة مليارات ريال، نصفها جاء عن طريق الشركات التجارية.
إن التعامل مع هذه الظاهرة بتوقيف الأشخاص المصدرين لشيكات دون رصيد سيحد منها وسينخفض الرقم الإجمالي للقضايا وللمبالغ التي تمثل الحق الخاص، فهذه الجريمة المالية تستوجب التوقيف على ذمة القضية بعد أن يقوم المستفيد بإبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام أو جهة التحقيق المختصة كأقسام الشرطة أو أي جهة ذات صلاحية نظامية كإمارات المناطق، حيث يجب القبض على المتهم المصدر للشيك وتوقيفه حتى يتم إجراء التحقيق النظامي معه لتوقيع عقوبة الحق العام وهي السجن والغرامة كما في معظم دول العالم ثم الإلزام بأداء قيمة الشيك إلى المستفيد أو المظهر إليه لحماية الحق الخاص لصاحبه.
إن مشروع المعلومات الائتمانية الذي اعتمد برنامجا طموحا لتحسين أوضاع الشيك وتسجيل البيانات في شركة (سمة) ضمن معلومات العملاء غير جيدي التعامل هو إحدى الأدوات التي خلقها السوق وصنعها المهتمون بسلامة البيئة التجارية، وكانت البنوك في مقدمة أولئك المتضررين، حيث تعاد شيكات العملاء وتستخدم دفاتر الشيكات ويساء إلى حقوق بعض العملاء عن طريق إساءة استخدام الشيك، أما ما تعانيه المحاكم والجهات التنفيذية من ضياع للجهد والوقت في معالجة قضايا الشيكات دون رصيد وما يترتب على ذلك من تكلفة مادية فقد أصبح محل تذمر بسبب عدم وجود ردع قانوني كاف، أما اليوم فإن توعية العملاء بقرار مجلس الوزراء وتفعيل العقوبات الواردة في نظام الأوراق التجارية وما سيتم اتخاذه من إجراءات واجب ملقى على عاتق البنوك في الدرجة الأولى من خلال فروعها كما أن على شركة (سمة) واجب في عقد ندوات ولقاءات وتوعية إعلامية في جميع وسائل الإعلام بأن الحبس جزاء من يصدر شيكا دون رصيد.
