وزارة التربية في سباق مع الزمن لتحويل الأفكار التي طرحت ومشروع تطوير التعليم إلى مشروع حقيقي مقولة صرح بها الدكتور فيصل بن معمر نائب وزير التربية في إحدى جلسات منتدى جدة الاقتصادي العاشر، وهو تصريح يشي بأن وزير التربية يدرك تمام الإدراك أن نجاح بلادنا في جوهر الصراع العالمي المتمثل في تطوير التعليم يتطلب احترام الوقت واستثماره في تعزيز كفاءة العملية التعليمية من أجل مخرجات وطنية قادرة على اللحاق بثورة المعلومات والتكنولوجيا التي باتت تعد العنصر الحاسم في المحافظة على الإرادة الوطنية.
نعم فقد أصبح من المعلوم أنه من يتخلف في مضمار التعليم سيتخلف بالتبعية في سباق المعلومات والتكنولوجيا ويفقد إرادته فضلا عن فقدانه للصدارة التي تعني الكثير في السباق الحضاري العالمي, وهو أمر لا تطيقه الشعوب الحرة (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )، والتخلف في مضمار التعليم مشكلة تتفرع إلى مشكلات شتى اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية وأمنية (العلم يبني بيوتا لا عماد لها *** والجهل يهدم بيت العز والكرم).
والإنسان عدو ما يجهل، والجهل نسبي فمن جهل في القراءة والكتابة إلى جهل في التحليل والتشخيص، وجهل في التخطيط والتقويم، وجهل علمي تقني خصوصا في مجال إنتاج التقنية والمعلومات وتوظيفها في القطاعات كافة، فالعلم في تقدم ومن يتخلف تتسع مجالات جهله بقدر تخلفه عن ركب العلم، والجاهل لن ينافس العالم, إذ لا يمكن لجاهل عدو لنفسه وعدو لما يجهل أن ينافس عالما يرى الأمور بكل وضوح وشفافية ويعرف كيف يتعامل معها بكفاءة واقتدار.
إذن السرعة هي المتغير الحاسم في مدى التخلف أو التقدم ''الأسرع يأكل الأبطأ''، والسرعة تعني المسافة المقطوعة مقسومة على الزمن, وللأسف الشديد من ير اتساع المدى الزمني الذي نتحرك فيه ونستهدف تطوير تعليمنا خلاله يدرك أننا لن ننافس الدول المتقدمة التي لن تقف حتى نتقدم لمكانتها فما بالنا ونحن لم نستطع تحقيق أهدافنا في الزمن الفضفاض الذي منحناه لأنفسنا، نعم فقد انقضى أكثر من ثلاث سنوات منذ أن انطلق مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ لتطوير مرفق التعليم من أصل ست سنوات هي مدة المشروع المحددة ونحن نراوح مكاننا وما زالت الأمور معقدة ومتشابكة ولا رؤية واضحة ولا ضوء في آخر النفق يلوح، فكل ما نسمعه ونقرأه تخرصات وأماني واعتذارات حتى ظننت أننا نستطيع أن نؤلف ديوان شعر أو نثر نسميه ''الاعتذاريات'' على شاكلة ''الروميات'' لأبي فراس الحمداني. محور العملية التعليمية الطالب أمر يدركه من هو في الشارع، ما نوعية الطالب الذي نريد بعد أن يتخرج من التعليم العالم من حيث المعارف والمهارات والقيم والمفاهيم والمبادئ؟ سؤال يجب أن نجيب عنه بأسرع وقت ممكن ولا داعي لاختراع العجلة من جديد لمعرفة الإجابة فقد سبقتنا كثير من الأمم في الإجابة عنه وما علينا سوى معرفة هذه الإجابة وتكييفها لواقعنا والواقع العالمي الحالي والمتوقع مستقبلا.
كيف لنا أن ننتج الطالب الذي نريد, القادر على مواجهة تحديات الحياة والتوجه لسوق العمل مباشرة أو استكمال التعليم الجامعي أو ما هو دونه (المعاهد بأنواعها كافة)؟ أيضا لا نحتاج لإعادة العجلة من جديد, فهناك إجابات لهذا السؤال في اليابان وأوروبا وأمريكا وكندا وماليزيا بل وحتى في الفلبين, وما علينا سوى معرفة هذه الإجابة واختيار الإجابة المثلى لواقعنا وتطويرها من خلال نخبة فكرية وطنية يقودها فريق تخطيط استراتيجي ميسر.
وللحقيقة أقول وبكل صراحة ومن خلال تجربتي العملية فإننا في حاجة إلى مواطن يتخرج من التعليم العام وهو يؤمن بمنظومة قيم ومفاهيم ومبادئ الإسلام الحنيف (الصدق، الأمانة، الصبر، الإتقان، العطاء، الاحترام، القوة، العطاء، التفوق... إلخ)، وهي قيم ومفاهيم تزكي الإنسان وتجعله سهل المعشر والتعامل يقبل على العمل بكل همة ونشاط بموقف إيجابي من التطوير والابتكار والإبداع، كما أننا في حاجة إلى مواطن سعودي يتمتع بمهارات البحث والتحليل والتشخيص والتفكير والابتكار والإبداع والتواصل مع الآخرين سواء كانوا رؤساءه أو مرؤوسيه أو ممن هم في مستواه الإداري فضلا عن التعامل مع من هم خارج المؤسسة التي يعمل فيها.
أيضا نحن في حاجة إلى مواطن سعودي يعلم أن كمية المعلومات التي حصل عليها في التعليم العام لن تنفع طويلا مهما كان مقدارها لأن العلم يتطور بشكل متسارع وبالتالي فهو مواطن يستمتع بالقراءة والمطالعة والبحث عما هو جديد ليعرفه ويطبقه بالاستفادة مما اكتسبه أثناء التعليم العام من مهارات الحصول على المصادر والبحث فيها لاستخراج ما يريد.
وإذا كان بكل اختصار الهدف الحقيقى للتعليم وهو توفير الحد الأعلى لنجاح أبنائه في القيام بمسؤولياتهم بعد التخرج فقد بات من الضروري العمل فورا باستخدام التقنيات الإلكترونية المتاحة لكسر قيود المناهج الجامدة وطرائق التدريس التلقينية المتكلسة والوسائل التعليمية التقليدية والامتحانات المفزعة ذات الأضرار المتعددة التي أصبح اجتيازها هدفا حل محل الهدف الأسمى المتمثل في اكتساب المعارف والمهارات، وذلك للانطلاق في فضاءات التعليم والتعلم القائمة على البحث والابتكار التي لا حدود لها. وتوفير الحد الأعلى لنجاح أبنائنا للقيام بمسؤولياته لن يكون بزيادة المقررات أو زيادة محتواها بل يكون في تزويد الطلاب بمهارات البحث والتحليل والتشخيص والتفكير فضلا عن مهارات الحياة مثل الصبر والإيثار والعطاء والإنتاج وهي مهارات أصبحت تعلم بمنهجيات متطورة، وما على وزارة التربية إلا الإسراع في التطوير من خلال منهجيات تنظر لعامل الزمن كمتغير ومقياس حاسم في نجاح التطوير من فشله مقارنة بالأمم المتقدمة.
1
