الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

هل الاقتصاد السعودي عند مستويات التوظيف الكامل؟

سعود بن هاشم جليدان
الأربعاء 3 مارس 2010 6:2

تتوافر بيانات لمعدلات البطالة لفترة السنوات التسع المبتدئة عام 1999م والمنتهية عام 2008م في موقع مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات على الشبكة العنكبوتية. وبإلقاء نظرة سريعة على تلك البيانات يمكن ملاحظة وجود ارتفاع طفيف في معدلات البطالة الإجمالية (بأقل من 0.7 في المائة) بين بداية الفترة ونهايتها, وبوجه عام يمكن اعتبار معدل البطالة الإجمالي شبه مستقر خلال الفترة 1999 إلى 2008م. وتتركز أغلبية البطالة في صفوف العمالة السعودية، حيث ارتفعت معدلات بطالة السعوديين في آخر الفترة بنحو 1.7 في المائة مقارنةً ببدايتها. وبلغت معدلات البطالة بين السعوديين في عام 2008م نحو 9.8 في المائة من إجمالي قوة العمل السعودية، بعدما كانت 8.1 في المائة في عام 1999م. وترتفع معدلات البطالة عادةً عند تراجع مستويات النشاط الاقتصادي، ولكن عند النظر إلى معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة يلاحظ وجود ارتفاع قوي في نمو النشاط الاقتصادي خلال الفترة 1999 إلى 2008م. وقد بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي السنوي خلال الفترة 12.6 في المائة، بينما بلغ معدل النمو الحقيقي السنوي نحو 3.9 في المائة. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للناتج المحلي غير النفطي الذي يوظف معظم القوة العاملة في المملكة، حيث بلغ معدل نموه الحقيقي السنوي خلال الفترة نحو 4.3 في المائة. ومن الطبيعي أن يتبادر إلى الأذهان مسألة عدم تراجع معدلات البطالة على الرغم من الارتفاع القوي في معدلات النمو الاقتصادي. ولماذا لم تنخفض معدلات البطالة بين السعوديين الذين يشكلون الجزء الأكبر من البطالة الإجمالية في المملكة على الرغم من معدلات النمو القومية وسياسات السعودة؟ بل إن معدلات البطالة بينهم ارتفعت بعض الشيء خلال هذه الفترة.

وللإجابة عن هذه التساؤلات ينبغي أولاً تحديد كون الاقتصاد يعمل عند مستويات التوظيف الكامل للعمالة أم لا؟ وهل معدلات البطالة الإجمالية وبين السعوديين تعد معدلات طبيعية؟ فإذا كان الاقتصاد الوطني يعمل عند مستويات التوظيف الكامل للعمالة فإن أي نمو للناتج المحلي غير النفطي سيضغط على الأجور ويدفعها إلى الارتفاع. وعلى الرغم من عدم توافر بيانات كلية عن مستويات الأجور إلا أن المشاهدة تشير إلى ارتفاع مستويات الأجور لبعض فئات العمالة الأجنبية في بعض القطاعات الاقتصادية، ولكن لا توجد شواهد على ارتفاع معدلات الأجور للعمالة السعودية في القطاع الخاص، بل يسود شعور عام بتراجع أجور العمالة السعودية في بعض القطاعات. ويمكن أيضاً النظر أيضاً إلى تطور حجم قوة العمل والبطالة في الاقتصاد الوطني خلال الفترة كمؤشر لتحديد ماهية التوظيف الكامل للعمالة. وبالنظر إلى معدلات نمو حجم العمالة خلال الفترة نجد أنه ارتفع بنحو 4.1 في المائة سنوياً. وارتفعت قوة العمل الإجمالية من نحو 5.8 مليون شخص في عام 1999م إلى نحو 8.4 مليون شخص في عام 2008. وفي الوقت نفسه ارتفعت قوة العمل السعودية من 2.8 مليون شخص في بداية الفترة إلى نحو 4.1 مليون شخص. وترتفع البطالة في صفوف العمالة السعودية، بينما تكاد تنعدم بين العمالة الأجنبية التي تمنعها الأنظمة من البقاء دون عمل، كما أن وجود هذه العمالة الأجنبية في المملكة هو بداعي العمل، ولهذا فمن الطبيعي أن تغادر المملكة إذا لم تجد أعمالاً.

وبصورة أولية يمكن أن نستنتج من البيانات أن اقتصاد المملكة يشهد مستويات توظيف كامل للعمالة الأجنبية في المملكة، بل إن هناك عجزاً في بعض القطاعات الاقتصادية، وهذا يفسر ارتفاع أجور هذه العمالة في هذه القطاعات خلال الفترة. وقد تدنت معدلات البطالة بين الأجانب في المملكة إلى أقل من 0.5 في المائة في عام 2008م، وهذه النسبة تعد أقل من مستويات البطالة الطبيعية لأي بلد في العالم. والبطالة الطبيعية هي البطالة الناتجة عن كل العوامل ما عدا الطلب الكلي على السلع والخدمات، حيث تحدث بطالة نتيجةً لعوامل أخرى مثل توقف العمالة لفترة من الزمن بحثاً عن وظائف أفضل. ولا تقل معدلات البطالة الطبيعية في العادة في مختلف دول العالم عن عدة نقاط مئوية. من جهةٍ أخرى، تعاني العمالة السعودية من معدلات بطالة مرتفعة وهي فوق المعدلات الطبيعية أو مستويات التوظيف الكامل التي تظهر في البلدان الأخرى. وهذا راجع على ما يبدو إلى اختلالات هيكلية في سوق العمل، لعل أهمها تدني مستويات الأجور التي تقبلها العمالة الأجنبية في بعض القطاعات الاقتصادية ولا تتقبلها العمالة الوطنية، وقبول العمالة الأجنبية بأعمال وظروف عمل أكثر قساوةً من العمالة الوطنية التي أهمها ساعات العمل الطويلة، ونظام الكفالة الذي يعرقل انتقال العمالة الأجنبية ويحد من إنتاجيتها.

ولعل من أهم أسباب انخفاض استفادة العمالة السعودية من النمو الاقتصادي القوي خلال السنوات الماضية أن هذا النمو حدث في قطاعات توظف بدرجة كبرى أجانب مثل قطاع الإنشاءات والصناعات والخدمات المرتبطة به وبعض أنشطة الخدمات. أما بالنسبة للقطاع الحكومي فقد نما بقوة خلال الفترة ورفع من استقطابه للعمالة الوطنية السعودية, إلا أن الإنفاق المتزايد على المشاريع وعلى العقود الخارجية ذهب الجزء الأكبر منه لتوظيف قوى العمل الأجنبية.

وعلى الرغم من أن معدلات البطالة الإجمالية لقوة العمل في المملكة من سعوديين وأجانب تبدو قريبة من مستوياتها الطبيعية التي تقارب 5 في المائة، إلا أن انخفاضها الشديد بين العمالة الأجنبية وارتفاعها في صفوف العمالة السعودية يشير إلى تكون ازدواجية في سوق العمل أو وجود سوقين للعمل في المملكة ألأول للعمالة الأجنبية والثاني للعمالة السعودية. وأوجدت هذه الازدواجية تشوهات في الاقتصاد المحلي، حيث إن سياسات دفع الطلب على العمالة سيزيد من شح العمالة الأجنبية ويدفع بتكاليفها إلى الأعلى، بينما سيوظف عمالة سعودية محدودة. وأعتقد أن السبب في هذا يرجع إلى ازدواجية الأجور فكل نوع من العمالة وكل جنسية تتلقى أجورا مختلفة. وللقضاء على تلك الازدواجية ينبغي العمل على توحيد الأجور من خلال سن وتفعيل التشريعات والأنظمة التي تمنع التمييز في مستويات الأجور بناءً على جنسية العمالة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية