مع إعادة تنظيم قطاع التأمين في المملكة في السنوات الأخيرة وما صاحب ذلك من إنشاء نحو 30 شركة تأمين حديثة التأسيس تتبع مبدأ التأمين التعاوني أو التكافل (على الأقل كما هو واضح من أسمائها التجارية)، برزت على السطح أخيرا قضية انقسام العلماء حول أهلية هذه الشركات من وجهة النظر الشرعية على الرغم من اتفاقهم على جواز مفهوم التأمين التعاوني (أو التكافل) وتحريم مفهوم التأمين التجاري، فالبعض منهم أخذ بجواز هذه الشركات والبعض منهم أخذ بالمنع المطلق والبعض منهم أخذ بتحريم التأمين على الحياة وجواز ما عدا ذلك.
تتركز المشكلة في أن هذه الشركات تتبع مبدأ التأمين التعاوني (أو التكافل) وهو مبدأ قائم على أنه في حال زادت قيمة الاشتراكات على ما صرف من تعويض كان للمشتركين حق استرداد الفائض كاملاً لأن مفهوم التأمين التعاوني يقوم على مبدأ تخفيف الخسائر عن المشتركين ولا يهدف إطلاقا إلى تحقيق الربح. في الجانب الآخر، نجد أن اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني تلزم الشركات دورياً بترحيل ما نسبته 90 في المائة من فائض اشتراكات التأمين إلى قائمة دخل المساهمين وهو ما يضعها من المنظور الشرعي في دائرة التأمين التجاري (وليس التأمين التعاوني) وهنا يكمن الخلل!!.
نتفق جميعاً على أن مؤسسة النقد العربي السعودي لعبت دوراً جباراً في تنظيم هذا القطاع الحيوي وهو بلا شك جهد نشكرهم عليه، إلا أنني أعتقد أن الخطأ الكبير الذي ارتكبته المؤسسة أثناء إعادة تنظيم هذا القطاع هو إلزام الشركات بإعادة 90 في المائة من فائض اشتراكات التأمين إلى قائمة دخل المساهمين. قد تهدف المؤسسة من هذا الإجراء إلى تعزيز رسملة هذه الشركات خصوصاً أنها حديثة التأسيس، وهذا بالتأكيد جيد، لكن ذلك مع الأسف أتى على حساب مرونة النظام وهو ما منع ظهور نموذج حقيقي للتأمين التعاوني يتفق عليه جميع العلماء الأفاضل وجميع أفراد المجتمع.
حتى أكون أكثر دقة، لنتساءل جميعاً: ما المانع مثلاُ من ظهور شركات تأمين تأخذ أقساطاً عالية جداً (بنسب تفوق كثيراً نسب المخاطرة التي يحددها الخبراء الاكتواريون) في مقابل إعادة فائض الاشتراكات كاملاً إلى المشتركين؟ ألا يتفق هذا مع المفهوم الحقيقي للتأمين التعاوني الذي يبحث عنه الجميع؟ وأين المخاطرة هنا؟ وأين المشكلة إذا كان العلماء والشركات والمشتركون سيقبلون بمثل هذا النموذج؟
