أسهمت تجربتي الدراسية والعملية في اليابان لسنوات طويلة بالتعرّف عن قرب على ظاهرة يابانية فريدة يُطلق عليها اليابانيون (سوقوشوشا)، وأسميها (هوامير)، فما هي وما دورها في الاقتصاد الياباني وفي التجارة العالمية؟ يعرِّف المسؤولون في هذه الشركات العملاقة أنفسهم بأنهم يطورون ويسوقون كل شيء على وجه الأرض ما عدا الإنسان والمخدرات، فيما يصفهم وزير التجارة الأمريكي السابق بيتر بيترسون بأنها أفضل قنوات التسويق في العالم. وفي رأيي أن الشركات العشر المصنَّفة على أنها (سوقوشوشا) من قِبل وزارة التجارة الدولية والصناعة MITI أكثر من ذلك، فهي جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي، تعمل على تطوير العرض والطلب حول العالم لما يزيد على 30 ألف منتج تبدأ من النفط والغاز ولا تنتهي بالقمح وفول الصويا، حسب ما ورد في التقارير السنوية للشركات التالية:
إضافة إلى تنظيم المشاريع الاستثمارية الضخمة داخل اليابان وخارجها، تقدّم الشركات العشر خدمات التسويق والتسهيلات المالية وتقليل المخاطر وكذلك خدمات التأمين والمواصلات والتخزين من وإلى اليابان وبين الدول الأخرى مع التركيز على زيادة الفاعلية وسلاسة الإمدادات عبر الحدود وخفض التكلفة من خلال الحجم الاقتصادي Economics of Scale. وتسخِّر كل شركة كثيرا من الموارد البشرية والمالية والمعلوماتية مدعومةً بشبكة اتصالات عالمية تربط ما يقرب من 150 فرعا منتشرة في أصقاع الأرض تعمل جميعها على دراسة الأسواق وتحديد الفرص ومتابعتها مع غرفة عمليات في المقر الرئيس في طوكيو تشبه ما لدى البنتاجون.
عند موافقة المقر الرئيس على أي طلب متكرر وبكميات تجارية، تبدأ رحلة البحث عن أرخص مصدر لمواد الخام وشحنها إلى أقل الدول تكلفةً لتصنيعها ومن ثم تسليمها للعميل في بلده - وفي حالات معينة - دون المرور باليابان بعد هجرة كثير من الصناعات المتدنية أو المتوسطة التقنية إلى الخارج بحثاً عن العمالة الرخيصة، خصوصاً في جنوب شرق آسيا.
على مستوى اليابان، لعبت الشركات العشر دوراً استثنائياً في التنمية الاقتصادية، حيث بلغ صافي مبيعاتها 200 مليار دولار في عام 1980م أو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و55.6 في المائة من الواردات ــ غالبيتها مواد خام ــ وكذلك 56.4 في المائة من صادرات المنتجات النهائية إلى الأسواق العالمية، وهو دور منوط بها من قِبل الحكومة والمجتمع.
أما على المستوى العالمي، فبلغت مساهمة الشركات العشر ما يناهز 7.3 في المائة من حجم التجارة الدولية في عام 1980 م بين دول ليس من بينها اليابان Third- country Transactions.
وكحالة دراسة، تابعت طلب مصنع أنسجة برازيلي من (سوقوشوشا) تزويده بمادة بوليستر فايبرز التي مرّرت الطلب إلى شركة كيماويات أمريكية مستعدة، ولكنها في حاجة إلى إثيلين جلايكول، حينها توجهت الشركة اليابانية إلى مصنع فرنسي ينقصه البنزين، تم توفيره من مصدر هولندي لتعود الدورة إلى فرنسا فأمريكا وأخيراً البرازيل، فالعالم بالنسبة للشركات العشر قرية صغيرة.
نشاط آخر يزيد الطلب على خدمات الشركات العشر يتمثل في تنظيم مشاريع تطوير الموارد الطبيعية حول العالم، بدءا بدراسات الجدوى الاقتصادية مروراً بتوريد المصنع والمعدات وانتهاءً بشحن المنتجات إلى اليابان، سواءً كان المشروع مجمعات بتروكيماوية في السعودية أو حقول نفط في إندونيسيا أو مناجم حديد في أستراليا.
وقد تولّت ميتسوبيتشي عملية تطوير واحد من أكبر مشاريع الغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم، بالقرب من سواحل بروناي مشاركة مع الحكومة، حيث وصلت أول شحنة إلى اليابان في 1973م لحساب شركة أوساكا للغاز.
وفي عام 1975م، بادرت ماروبيني إلى الاستثمار في مشروع زراعي عملاق بالبرازيل لإنتاج فول الصويا والقمح، وذلك للمساهمة في توفير الأمن الغذائي الياباني.
وتحرص الشركات العشر على ملكية حصص مؤثرة في أكثر من 1000 شركة إنتاجية وخدمية، ثلثاها في اليابان والبقية في الخارج في نهاية عام 2000م، ليس لغرض الاستثمار فحسب، ولكن لضمان حقوق توريد ما تحتاج إليه هذه الشركات من معدات ومواد خام وتسويق منتجاتها في الأسواق المحلية والدولية.
طبعاً، واجهت الشركات العشر صعوبات عدة في بداية مسار عولمة نشاطاتها، ومنها:
- تطوير الهياكل التنظيمية والاستراتيجيات المعولمة.
- إعداد أساليب تمويل واستثمار موحدة.
- إدارة الفروع الخارجية في بيئات عمل متباينة.
- السيطرة على مخاطر سلاسل الإمدادات المعولمة.
وفي رأيي أن الشركات اليابانية العشر (الهوامير) نجحت في تجسيد مفهوم العولمة الحقيقية حتى باتت قوة دفع أساسية للاقتصاد والتجارة العالمية، ما حدا بدول أخرى مثل كوريا الجنوبية وماليزيا أن تكوِّن شركات مماثلة بالاعتماد على قدراتهم الذاتية، بينما تلجأ بعض شركاتنا إلى مستشارين أجانب ــ تعجُّ بهم مقارها الرئيسية ــ دفعونا إلى استحواذات متهورة غرباً في حين تُعيد شركاتهم تموقع مصانعها شرقاً.. فمتى نرى (سوقوشوشا) سعودية؟
