هل تذكرون مجموعة الإثنين؟ كانت الصعوبات المالية التي تواجه الولايات المتحدة والتعقيدات الأجنبية التي تورطت فيها، إلى جانب النهضة الاقتصادية في الصين، من الأسباب التي دعت الكثيرين في العام الماضي إلى تصور نشوء نوع من السيادة العالمية المشتركة بين البلدين. وكانت مجموعة الثماني قد تحولت بحكم الضرورة إلى مجموعة العشرين، التي ستتنازل عن صفرها كلما طرأ أمر مهم: حيث تتولى الولايات المتحدة والصين اتخاذ القرارات. الواقع أن هذه الفكرة كانت عبارة عن انعكاس مبالغ في تبسيطه للواقع العالمي، فقد استبعدت قوى ناشئة أخرى مثل البرازيل والهند، وبالغت في تقدير ضعف أمريكا، التي ما زالت تُعَد القوة العالمية العظمى المنفردة، كما تشير إلى الحقيقة المزعجة التي أدركها الاتحاد الأوروبي والتي تؤكد أن عجزه عن توحيد كلمته فيما يتصل بقضايا مثيرة للجدال من شأنه أن يضعه على الهامش. ولا تنسوا الاتفاق الهزيل الذي لفقته الولايات المتحدة مع القوى الاقتصادية الناشئة في قمة كوبنهاجن للمناخ، والتي انعقدت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، من دون مشاورة الاتحاد الأوروبي أو إشراكه في الأمر، وذلك على الرغم من مجموعة المقترحات الأكثر تقدماً التي طرحتها أوروبا بشأن التعامل مع قضية تغير المناخ.
ورغم كل هذا، فما تزال فكرة مجموعة الإثنين تتمتع بالقدر الكافي من المصداقية لتفعيلها. والواقع أن أول زيارة قام بها الرئيس باراك أوباما إلى الصين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي تقبل فيها دور الخاطب المطواع لوِد البلاط الإمبراطوري، عززت الانطباع بوجود اتفاق بين القوة العالمية العظمى الحالية والقوة العالمية العظمى في المستقبل.
كان ذلك في العام الماضي. أما الآن فقد تبلدت الحال، حيث تبدو الفكرة أقل معقولية. ولكن كيف أصبحت فكرة مجموعة الإثنين بعيدة المنال إلى هذا الحد وبهذه السرعة؟
أولاً، كان التعافي الاقتصادي الضعيف الذي فشل إلى حد كبير في خلق فرص العمل في الولايات المتحدة وأوروبا سبباً في تسليط الضوء على صادرات الصين المتزايدة والحواجز غير الجمركية التي تواجه الراغبين في استيراد السلع إلى الصين. وإنه لمن الصعب أن تجد عدداً كبيراً من أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين لا يعزون بعض المشكلات التي تواجه الولايات المتحدة، بما في ذلك تآكل الطبقة المتوسطة، إلى تلاعب الصين المزعوم بالعملة.
وقد تشير الصين إلى الجبل المتراكم من سندات الخزانة الأمريكية التي اشترتها، فساعدت بذلك على إبقاء العجز في الميزانية الأمريكية عند مستويات قابلة للاستدامة. (أما المغزى من بيع الصين مؤخراً لأذون الخزانة الأمريكية فهو متروك لتخمين أي شخص في الوقت الراهن). ويعرب الصينيون عن استيائهم إزاء الظلم المتمثل في اتهامهم بالتسبب في إحداث الخلل في توازن الاقتصاد العالمي. ولكن ثمة حُجة يتعين على الصين أن ترد عليها. إن المنتقدين يرون أن ربط الصين لعملتها عند مستوى أدنى من قيمتها الحقيقية يشكل جزءاً من استراتيجية متعمدة لإبقاء النمو مستمراً، وبالتالي تفادي السياسات المعقدة التي قد تضطر إليها في حالة ارتفاع مستويات البطالة في ظل نظام لا يشتمل على قنوات مؤسسية للتعبير عن المظالم الشعبية. وما لم تنجح الصين في التعامل مع هذه القضية قريباً فستؤدي حتماً إلى تفاقم نزعة الحماية في الولايات المتحدة وأوروبا. بل لقد وجد أنصار السياسات التجارية القائمة على المعاملة بالمثل ما يؤيد موقفهم في كتابات آدم سميث حول هذا الموضوع. وهناك قضية ثانية من المرجح أن تمزق فكرة مجموعة الإثنين إرباً حتى قبل أن تتخذ هيئة فعلية، ألا وهي مسألة تأثير النظام الاستبدادي في الصين على الانتقال الحر للمعلومات. والواقع أن الصِدام الذي وقع بين الصين وجوجل، واحتجاج الولايات المتحدة على الهجوم على أهداف أمريكية، من شأنه أن يُذَكِّر العالم الخارجي، وكذلك وسائل الإعلام الأمريكية وأهل النخبة السياسية في الولايات المتحدة، بالاختلاف في القيم بين البلدين. وهذا أمر محرج على نحو خاص في وقت حيث تبدو السلطات الصينية وكأنها تتخذ موقفاً أكثر تشدداً في التعامل مع المعارضين. فأخيراً أصدرت إحدى المحاكم الصينية قراراً بسجن ليو شياو بو، الناشط في مجال حقوق الإنسان، لمدة 11 عاماً، الأمر الذي أدى إلى إدانة عالمية واسعة النطاق. ويزعم جون كام، المناضل المخضرم الذي يطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، أن ذلك القرار كان بمثابة ''نقطة تحول'' بالنسبة للسلطات الصينية، وأنها ''سيتعين عليها أن تجد لنفسها سبيلاً أقل تشدداً للخروج من هذا الموقف''.
وتأتي نتائج محادثات المناخ في كوبنهاجن كسبب ثالث للقلق. فقد كانت الصين متهمة على نطاق واسع بعرقلة إمكانية التوصل إلى نتيجة أكثر طموحاً، بسبب مقاومتها للمراقبة الخارجية لتنفيذ أهدافها المتفق عليها، ولجوئها إلى حجة سيادة الدولة بكل ما تعود العالم على الاستماع إليه من رئيس الولايات المتحدة السابق جورج دبليو بوش من حس القوامة والتفوق الأخلاقي. ولعل هذه الانتقادات تكون ظالمة، ولكن من المؤكد أنه لم يكن من الحكمة في شيء أن يُسمَح لأحد صغار المسؤولين بالصياح والتلويح بإصبعه في وجه أوباما في أحد اجتماعات كوبنهاجن الرئيسة. إذ يتعين على المسؤولين الصينيين أن يتذكروا أن الأمريكيين أيضاً لا يريدون أن يفقدوا ماء وجوههم.
ويستشهد بعض الناس بالخلاف بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان وزيارة الدلاي لاما لواشنطن باعتبارهما السبب الرابع لإحباط المحادثات بشأن مجموعة الإثنين. والحق أنني لست مقتنعاً بهذا، فالأمر برمته يشكل قضية شعائرية، والمسؤولون الصينيون يتمتعون بالقدر الكافي من الذكاء لكي يدركوا أن سلوك الحكومة الصينية في الآونة الأخيرة لم يترك أمام أوباما مجالاً كبيراً للاختيار حين اتخذ قراره بشأنهم كما فعل.
أما القضية الأكثر إثارة للقلق والانزعاج فلم تتكشف جميع أوراقها بعد. فكيف قد تكون ردة فعل الصين إزاء أي تحرك على مسار فرض عقوبات أشد صرامة على إيران إذا لم يتم إحراز أي تقدم في الجهود الرامية إلى منعها من إنتاج الأسلحة النووية؟ فإذا عرقلت الصين تحرك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في هذا الاتجاه فسوف تتراجع العلاقات مع الولايات المتحدة إلى النقطة التي قد تجعل أي حديث عن مجموعة الإثنين يبدو سخيفاً مضحكاً.
كان دنج شياو بينج، مهندس النهضة الاقتصادية في الصين، ينصح زملاءه بالتحرك خلسة في التعامل مع بقية العالم، فكان يقول لهم: ''أخفوا تألقكم، وانتظروا الفرصة''. وباعتباري شخصاً يرى أن صعود الصين يشكل أمراً طيباً بالنسبة للعالم، فإنني أتمنى لو يصغي لنصيحة دينج هؤلاء المسؤولون الصينيون الذين يتصورون أن هذه هي اللحظة المناسبة لهم لكي يتركوا بصماتهم.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
www.project-syndicate.org
