الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 27 مايو 2026 | 10 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

اقتصاد الكتاب ومعارض الناشرين

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 26 فبراير 2010 1:31

كلما اقترب موعد إقامة معرض الكتاب ارتفعت الحناجر ضجيجا بقضية اقتصاد الكتاب، وأنه الاقتصاد الأشد هزالا بين كل الاقتصادات.. خاصة في الوطن العربي بحجة أن العرب لا يقرؤون، وهنا يجد الناشرون ضالتهم في هذا الضجيج لرفع أسعار الكتب للذريعة ذاتها.. على اعتبار أن حجم مبيعاتهم لا يوازي تكلفة النشر والنقل والعرض والتوزيع، ورغم وجود شيء من الحقيقة في هذا الجانب إلا أن هناك جزءا مهما وخفيا من الحقيقة لا يزال خارج تداول النقاش، لأن هذا الحديث الذي أشرنا إليه يتناول الكتاب ذاته كسلعة، وهي بحق سلعة مزجاة، وهناك كثير من المؤشرات للأسف التي تشي بتراجع منسوب القراءة في العالم العربي عاما بعد آخر.. حتى إن بعض التقارير أشار ضمن دراسات ميدانية إلى تراجع الاهتمام بالمكتبات المنزلية والتي كانت تستخدم كجزء من الديكور على سوء غاياتها، خاصة بعد أن اكتسحت أدوات الاتصال الحديثة كل الأوقات المهدرة ولم تبق ولم تذر. لكن المسألة لا يجب أن تعالج من زاوية تسليع الكتاب، والتوقف فقط عند قضية سعر البيع وكمية المبيعات، لأن هذه السوق ستظل أقل من أن تكون مادة للنقاش للأسباب التي يعرفها الجميع، وحالة الكسل القرائي وفشل مناهج التعليم في تثبيت القراءة كعادة لازمة وكحاجة معرفية، وإنما يجب أن يتعداها ليناقش القيمة المعرفية للكتاب التي تستطيع أن تصنع اقتصادا معرفيا محوره الكتاب. وهذا لا يمكن أن يكون دور أفراد، ولا دور ناشرين، وإنما هو دور وزارات الثقافة التي يجب أن تعتمد برامج مشاريع عمل طويلة الأجل، تستطيع أن تتبنى الكتاب كقيمة معرفية قادرة على تأسيس اقتصاد المعرفة الذي بدأ الآن يكتسح كل الاقتصادات بوصفه اقتصادا غير مزاحم، وعابرا للحدود وقائما على التراكمات المعرفية التي يغني كل طرف فيها الطرف الآخر.

مشاريع القراءة للجميع، ومكتبة الأسرة وما في حكمها.. ما عادت هي المشاريع الملائمة لبناء اقتصاد الكتاب أو اقتصاد المعرفة.. هذه ارتبطت بمحطة محو الأمية التي تجاوزها الزمن إلى غير رجعة، منذ أن انطلقت الثقافة المعلبة بالفضائيات والإنترنت من عقالها، وبدأت تسيطر على الاهتمام العام لمختلف شرائح المجتمع، فالطفل الذي لا يزال على مقاعد الدراسة الابتدائية هو الآن في معظم الأحيان يراسل أصدقاءه عبر الماسنجر ويستخدم الإيميل، ولا يمكن لأحد أيا كان أن يغويه بترك هذه التقنيات المغرية والمدهشة ليتسلم كتابا يبعث الملل ليقرأ عن (دندش العجيب)، الذي يجد ما هو أكثر حيوية منه في فيلم كرتون متقن الصناعة وبالأبعاد الثلاثية. لذلك هناك حاجة، وحاجة ماسة جدا إلى نقل هذا الكتاب من دفتي الورق إلى عمل تقني يستوعب الفكرة بتمامها، ليقدمها بأدوات العصر وتقنياته ليواكب التحولات القائمة، أمّا أن نبقى نتباكى على الكتاب المهجور، على غرار اللبن المسكوب، ونعيد تكرار مشاريعنا القديمة تحت عنوان تشجيع الجيل الجديد على القراءة، فإننا حتما سنكون كمن يحرث البحر دونما طائل، فلكل زمان لغته ولسانه. يجب أن تنصرف وزارات الثقافة في الوطن العربي, إن أرادت أن تصنع أو تسهم في صناعة اقتصاد حقيقي للكتاب, إلى التحرر من رؤية الكتاب بشكله التقليدي، وأن تتحرر قبل ذلك من الإسراف في استعادة التجارب القديمة بالأبيض والأسود .. لأننا الآن أمام عالم يصطخب بالألوان والمذاقات، وترتبط أدوات نقل المعرفة فيه بتقنيات تكنولوجية تتطور على مدار الساعة، بشكل مخيف ومفزع قد يكون عصيا على الملاحقة.. لكننا نستطيع لو تنازلنا عن التفكير في عاداتنا القديمة، ومحاولة فرضها قسرا على جيل مختلف، لو فكرنا بطريقة تفكير هذا الجيل نفسه ورؤيته لمصادر المعرفة.. نستطيع أن نعيد القراءة من باب التقنية، لنصنع الاقتصاد المعرفي، ولنخلص الجيل الجديد من الاستسلام للقراءة المعلبة أو الفوضوية التي ربما شوشت أذهانهم، وأبعدتهم عن مصادر المعرفة الحقيقية، وهو مشروع جيلي يحتاج إلى نفس طويل، مثلما يحتاج إلى الصبر والأناة كي يؤتي أكله -ـ بمشيئة الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية