تعد شخصية الإنسان كالبصمة لا يتكرر منها اثنان على الإطلاق, ولو كان التشابه موجودا ومحتملا إلا أن التطابق غير موجود, وذلك يدخل ضمن الحقائق العلمية والمسلمات التي لا جدال فيها، وتمثل الشخصية مخزونا هائلا من الموروثات والفطرة وخلاصة التاريخ العائلي، كل ذلك متفاعل مع الظروف البيئية التي يمر بها الفرد و الخبرات المتراكمة التي يكتسبها من العالم الخارجي من حوله، وفي النهاية فإن كل تلك العناصر مجتمعة إنما تمثل توجهات الفرد وآراءه وأفكاره، وبالتالي فهي تعكس سلوكياته وردود أفعاله تجاه الآخرين وتجاه الأحداث والمواقف.
إن البحث عما يسمى بـ (الوعي) في الشخصية هو أمر ليس بالسهل أن يكون موجودا بشكل واضح إلا في بعض المواقف التي تقيس مثل هذا المضمون فعليا، ويعد الحس الناقد والتفكير الانتقائي القائمان على المنطق في قياس الأحداث هما من أهم المؤشرات على وجود الوعي الكافي للسلوك الإيجابي, ولعل الفرد يمر في حياته بالكثير من التجارب التي تدفعه إلى اتخاذ قرار ما وبقدر ما يكون القرار مهما بقدر ما يكون الوعي متطلبا من متطلبات الاختيار الصحيح, وقياس المعادلة بالطريقة الموضوعية البحتة البعيدة عن الإيحاءات والضغوط الخارجية التي تدفع الفرد أحيانا إلى اتخاذ قرار خاطئ، ويعد العنصر النسائي مقارنة بالعنصر الرجالي على مستوى العالم هو الأقرب والأسرع للإيحاء، ولكن العملية تظل نسبية بمعنى أن على الرجل والمرأة أن يتعلما كيف يكونا منخفضي القابلية للإيحاء حتى يصدرا سلوكيات أكثر صحة وأكثر دقة ليس في موقف بعينه، ولكن في مواقف عدة حتى يعتاد الفرد باتخاذه نمطا في الحياة، ولكن على ألا يكون رفض الإيحاء بصورة مطلقة، بل لا بد أن يصاحب ذلك تفكير انتقائي لما يجب أن يرفض، وما يجب أن يقبل فهناك مواقف هائلة حدثت للكثيرين بسبب عدم وجود حس ناقد وتفكير انتقائي، ولعل اللجوء إلى المشعوذين والدجالين ومن يتقنون مهارات النصب والاحتيال ليس في ادعاء الشفاء أو تقديم الدواء، ولكن حتى في السرقات المبطنة والكذب بوجود مشاريع تجارية وغيرها الكثير, كل هذه الأمور هي محكات لنضج الشخصية، فيما لو استطاع الفرد بشخصيته أن يميز بين الخطأ والصواب وعدم الانسياق خلف ما يدرك أنه باطل، ولكنه يغمض عينيه عن الخطأ ويتجاهل وجوده... ربما يكون نجاح تحقيق الوعي في الشخصية صعبا إلى حد في هذا الزمن المعاصر، حيث تختلط بعض الأمور وتكثر سبل الإيحاء, لكن الاستسلام للأخطاء بحجج وأعذار واهية لا جدوى منه للإنسان.
