يمكن وصف ما نحن فيه من اعتماد شبه كلي في غالبية مجالات الحياة لدينا على العمالة الوافدة الرخيصة بنوع من حالات الإدمان. وبالتالي، يجب علينا أن ندرك حجم تراكمات العقود الثلاثة الماضية في سوق العمل إذا أردنا تصحيح اختلالاته. في السابق كان القطاع الخاص يعتمد بدرجة عالية جدا قد تصل إلى أعلى من 90 في المائة على العمالة الوطنية (حتى المهن والحرف)، وكانت غالبية العمالة المستقدمة ذات تأهيل علمي عالٍ ـ مدرسون، وأطباء، وأساتذة الجامعات، وبعض الوظائف الأخرى. أما في الوقت الراهن فعلى العكس تماماً، ارتفع حجم العمالة الوافدة بشكل مخيف في شتى مجالات الحياة علاوة على تدني مستواها في التأهيل العلمي والمهني. ومن نحو 5.4 مليون عامل أجنبي يوجد نحو 4.2 مليون عامل شبه أمي يمثلون ما نسبته 76.9 في المائة من حجم العمالة الوافدة. أما الفئة ذات التأهيل العلمي من المستوى الجامعي فما فوق فتمثل ما نسبته 5.4 في المائة، أو نحو 292 ألف عامل، وبالتالي «شتان بين الحقبتين». ودون شك، أن سلوك القطاع الخاص، خصوصاً المنشآت الصغيرة والمتوسطة، هو المسؤول عن هذا التحول المخيف في تركيبة سوق العمل, حيث تتركز العمالة الوافدة، وفي الغالب ذات التأهيل العلمي والمهني الضعيف، لكن هذا لا ينفي إسهام العوامل الأخرى في خلق المشكلة.
هل يتناسب حجم العمالة ذات التأهيل العلمي العالي في القطاع الخاص واقتصاد بحجم اقتصاد المملكة؟ بالتأكيد لا. من إجمالي عدد العمالة البالغ 6.2 مليون عامل، لا يستخدم القطاع الخاص إلا ما نسبة 6.2 في المائة فقط أو نحو 386 ألفا من ذوي التأهيل العلمي من المستوى الجامعي فما فوق، وهذا العدد لا يتناسب وحجم القطاع الخاص الذي يمثل نحو 47 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي البالغ نحو 390.7 مليار ريال. وهذا بالمناسبة يعادل الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة من الدول. وهذا الحجم المنخفض للعمالة ذات التأهيل العلمي العالي لا يتناسب أيضا مع حجم اقتصاد المملكة الذي يمثل نحو 52.8 في المائة من حجم الاقتصاد لدول مجلس التعاون الخليجي، ونحو 20.7 في المائة من اقتصاد منطقة الشرق الأوسط في عام 2009. لذلك، نحن في حاجة إلى نمط مختلف من الوظائف يقلل من الاعتماد على العمالة الوافدة ذات التأهيل العلمي والمهني الضعيف ويساعد على خلق وظائف تتناسب وتطلعات وتأهيل طالبي العمل من العمالة الوطنية, حيث يتوقع أن يبلغ عدد الخريجين في الجامعات والكليات والمعاهد السعودية، إضافة إلى برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث ما يقارب مليون خريج يتوقع دخولهم إلى سوق العمل في السنوات القليلة المقبلة.
إذن، ما الحلول؟ أولاً، أن يكون هناك توجه يقوم على خلق بيئة مثالية تدعم تأسيس ما يعرف بالشركات المبتدئة Start ups ذات القيمة المضافة للاقتصاد المحلي، التي ترتكز إلى استخدام العمالة ذات التأهيل العلمي والمهني العالي والحلول التقنية. ويمكن توجيه برامج الإقراض المقدمة من الصناديق المتخصصة، وبرامج الإقراض الأخرى كأداة من ضمن أدوات التحفيز المالي لتشجيعها، والبيئة المناسبة لمثل هذا النوع من المشاريع قد تكون مراكز الأعمال في الجامعات السعودية.
ثانياً، تأسيس حاضنات للشركات المبتدئة في بعض الشركات الكبيرة مثل شركة أرامكو السعودية، وشركات البتروكيماويات، وغيرها من الشركات والمؤسسات المالية.
ثالثاً، دعم وتشجيع بروز صناعة الأسهم الخاصة Private equity industry، خصوصاً صناديق رأس المال الاستثماري Venture Capital.
رابعاً، استهداف نسبة محددة لحجم العمالة الوافدة، والتحكم في حجم عرض تدفقها غير المحدد عن طريق رفع تكلفة الاستقدام، وتحديد الحد الأدنى للأجور لمستوى يتناسب مع معايير المعيشة في المملكة.
خامساً، رفع معايير الاستقدام والتركيز على توافر مستوى معين من التأهيل العلمي والمهني وسنوات الخبرة للعمالة الوافدة.
ختاماً، تبدو الصورة قاتمة عند التأمل في حجم طالبي العمل المتوقع دخولهم إلى سوق العمل في السنوات القليلة المقبلة ومقارنة ذلك بحجم نمو الوظائف في القطاعين العام والخاص. إن نمو حجم الداخلين إلى سوق العمل من خريجي الجامعات والكليات وغيرها يفوق إمكانية استحداث وظائف جديدة كافية للعمالة الوطنية في القطاعين العام والخاص، ويدعم ذلك توقعات تزايد عدد الطلبة المستجدين والمقيدين في الجامعات والكليات، وغيرها من المؤسسات التعليمية، وبالتالي لا بد من إعادة هيكلة سوق العمل المحلية للارتقاء بمستوى الوظائف والأعمال. ودون شك، لن يكون بالإمكان إحلال عمالة وطنية محل الوافدة في بعض الوظائف, لكن المتوقع أن تقليص الاعتماد على بعض الوظائف سيخلق نمطا آخر من الفرص الوظيفية الأخرى للعمالة الوطنية.
