الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 26 مايو 2026 | 9 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بيئة الأعمال اليابانية.. وعقلية رعاة البقر

سعود بن عبدالعزيز الشبيلي
سعود بن عبدالعزيز الشبيلي
الأحد 21 فبراير 2010 5:5

مهما كان التنظيم الداخلي لأي شركة فعالاً، فإن ذلك لا يكفي لتحقيق أداءٍ متميز، إذا كانت البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير مواتية، سواء كان ذلك في اليابان أو غيرها من الدول. من الناحية السياسية، يمارس قطاع الأعمال الياباني نشاطه ضمن مناخٍ داعم لاستيراد مواد الخام الرخيصة وتحويلها إلى منتجات نهائية عالية القيمة والجودة، ومن ثمَّ تصديرها إلى الأسواق العالمية، معتمدةً على موارد القطاع الخاص البشرية ليس إلا. أثناء عملي في طوكيو، تكررت زياراتي إلى وزارة التجارة الدولية والصناعة MITI، وقد لفت نظري ما يلي:

* تركيز الهيكل التنظيمي للوزارة على ثلاث مهام من خلال وكالة الموارد الطبيعية والطاقة، وكالة العلوم والتقنية الصناعية، وكذلك وكالــة المؤســسات الصغيرة والمتوسطة.

* الملكية العامة ــ كلياً أو جزئياً ــ للشركات تقتصر على قطاع الخدمات مثل المواصلات والبريد وتخلو تماماً من الشركات الصناعية.

* تدخّل الوزارة في عملية تنظيم القطاعات الإنتاجية لا يتم بصورة مباشرة، ولكن من خلال التنسيق مع اتحادات مستقلة تتوسط القطاعين العام والخاص. وتتسم بيئة الأعمال اليابانية بوجود عدد كبير من الاتحادات الاقتصادية المستقلة وغير الربحية ذات النفوذ الواسع في رسم السياسات العامة، مثل:

* اتحاد المنظمات الاقتصادية (كيدانرين).

* الاتحاد الياباني لكبار المديرين التنفيذيين.

* مئات الاتحادات القطاعية مثل اتحاد البنوك واتحاد تجار التجزئة والاتحاد الياباني لقطاع البتروكيماويات JPIA. وتختلف أهداف كل اتحاد حسب طبيعة عمل الشركات الأعضاء، إلا أنها تتفق على تحقيق ما يلي:

* توحيد مواقف الشركات الأعضاء.

* تبادل وجهات النظر مع الجهات الحكومية.

* بلورة توافق وطني حول قضايا القطاع.

* تجنيب القطاع أي منافسة غير عادلة.

* إجراء الدراسات بالتعاون مع مراكز البحوث.

* توثيق صلة القطاع بالمجتمع ووسائل الإعلام. بالإضافة إلى المهام أعلاه، يقوم الاتحاد الياباني لقطاع البتروكيماويات ــ مثلاً ــ بعدة وظائف متخصصة لرعاية المصالح المشتركة لـ 41 شركة مساهمة على النحو التالي:

* دراسة التشريعات المنظمة لعمل القطاع.

* رصد ومتابعة قضايا القطاع المشتركة.

* تطوير صوت موحّد ومؤثر في السياسات العامة.

* وضع خطط استباقية لتلافي اختلالات لقيم الغاز.

* العمل كنظام إنذار مبكر لمواجهة الأزمات.

* صياغة مسار القطاع في القرن 21. وتخلو القطاعات الاقتصادية من أي نقابات عمالية قد تصيبها بالشلل الكامل جراء أي إضراب جماعي يعوق سلاسة الأداء والإنتاج، وبدلاً من ذلك طورت الشركات اليابانية لجانا عمالية داخل كل شركة تعمل جنباً إلى جنب مع الإدارة لحل مشكلات الموظفين بمقتضى روح الانسجام والتعاون harmony & Cooperation. وحتى لو دعت لجنة عمالية إلى إضراب، فإنه يتم بشكل رمزي خارج ساعات الدوام، مثلما حصل مع شركة اليابان للقطارات JR عندما امتنع موظفوها عن العمل في وقتٍ متأخر من الليل خلال ثمانينيات القرن الماضي، وذلك لإيصال رسالة إلى الإدارة دون الإضرار بالعملاء أو بشركتهم، والغريب أنه تمت الاستجابة لمطالبهم. ويتعزز التعاون بين شركات القطاع الواحد من خلال الملكية المؤسساتية المتبادلة للأسهم Cross -shareholding بهدف ربط المصالح وتكوين مجموعات صناعية تعتمد على بعضها، وتحرص على ربحية ونمو أعضائها.

تويوتا موتورز مثال جيد على ذلك، حيث تملك 24,6 في المائة من أسهم شركة أوتوماتيك لووم، فيما تملك الأخيرة4,6 في المائة من أسهم تويوتا، وربما كان غياب مثل هذه العلاقات سبباً في الصعوبات التي تواجه مصانع تويوتا خارج اليابان.

هذه العوامل الاقتصادية لها جذور اجتماعية ساهمت بدورها في تشكيل بيئة الأعمال مثل تجانس الشعب الياباني ولغته وقيمه في مجتمع يخلو من الفوارق الطبقية ويقيّم الفرد بعمله ومكانة شركته.

الجدير بالذكر أن المؤسسات شبه الحكومية مثل المركز الياباني للتعاون مع الشرق الأوسط JCCME ينظِّم كثيرا من الندوات وورش العمل في المملكة بواسطة خبراء في الممارسات اليابانية، لم يستفد منها إلا عدد قليل من الشركات السعودية في تأهيل كوادرها.

يأتي ذلك في وقتٍ تُهمّش الإدارات العليا لبعض شركاتنا كفاءاتها السعودية المؤهلة بتحويلهم إلى مستشارين لا يُستشارون وهم في عزّ عطائهم، وبدلاً من ذلك تلجأ إلى مكاتب استشارية غربية لتُملي عليها ما تفعل ويقحموها في مغامرات متسرعة بأسلوب رعاة البقر حسب تعبير جاك ويلش المدير التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك في كتابه الفوز Winning موضحاً سياسة شركته نحو إصلاح أو بيع أو إغلاق أي وحدة دون المستوى. وختاماً، أرى أنه آن الأوان لنستفيد من تجارب قطاع الأعمال الياباني الناجحة، بعد أن قاد المستشارون الغربيون بعض شركاتنا إلى مأزق تلو الآخر على حساب مصالح ملايين المساهمين في ظل صمت جمعياتها العمومية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية