إن فرصة الحديث من منبر إعلامي أمر يحقق للمتحدث حيزا جيدا في مخاطبة كثير من العقول, وبالتالي فإن الطريقة التي ينطلق بها الحديث من الشخص يكون في المقابل الاستقبال لذلك الحديث من قبل أناس لهم عقليات تناسب منطق ذلك الحديث, فليس كل ما يكتب أو يذاع يقرأ أو يسمع, بل تقرأه وتسمعه فئة تتناسب المادة المطروحة مع عقليتها وتوجهاتها وآرائها, لكن ما يجب أن يدركه كثيرون هو أن التحدث من أي منبر إعلامي إنما يجب أن يمثل رسالة حقيقية فعلية تعمل على دفع المجتمع إلى الأمام وليس البحث عن عيوبه وصغائره ووضعها تحت المجهر بحجة الإصلاح لتلك العيوب أو الأخطاء. لا أعتقد أننا نحتاج إلى مستوى عال من العبقرية أو الذكاء لكي نعرف أن عملية التحدث عن عورات المجتمع أو جانبه المظلم هو نوع من إشاعة تلك العورات ووضعها تحت محط النقاش والجدل الطبيعي, لأن كثيرين أصبحوا يصنفونها ضمن الأخطاء وليست العيوب (الوعرة) ويعدون أن الأمر يحتمل الجدل والإقناع, فالأمر نفسي اجتماعي, ومن لديه مهارة في التعرف على جزء فقط من النفسية يستطيع أن يدرك أن تكرار الحديث ببساطة عن العيب يخرجه عن منطقة العيب إلى المنطقة الحيادية حيث يراه الجميع في النور ويستسهله الآخرون, إذا فالأمر ليس فقهيا فحسب, أي ليس من الضروري أن من يدرك ذلك يكون فقيها أو عالما, فالأمر في غاية البساطة ولا يتجاوز الاعتراف بخطورة تلك الخطوات, ولا يعني ذلك دفن العيب وتجاهله, لكن المهم جدا هو التحدث عن العيب بحذر شديد وفي مواقف محدودة فقط في الطرح أيا كان نوع هذا الطرح, وليكن عدد غير قليل من المسلسلات المحلية وبعض الخليجية هي أمثلة على الطرح السيئ لتلك العيوب, حيث يلاحظ في كثير من الأحيان أن كل الأحداث وكل أبطالها هم أشخاص واقعون في دائرة الأخلاق شديدة الفساد, وليت تلك الأخلاق الفاسدة تتفاوت في درجاتها بل كلها قصص صغيرة بشعة تندرج تحت قصة كبرى شديدة البشاعة لا تخرج عن المواقف الجنسية أو غيرها من الجرائم المقززة بتصريحات وتلميحات لدرجة أن المشاهد أصبح يشعر مما يراه أن المجتمع الذي يعيش فيه ينصب كله في تلك الدائرة البشعة فلا يرى سوى تلك المنطقة المظلمة مع أن ذلك طبعا اعتقاد غير صحيح, ومع أن هناك مشكلات اجتماعية متعددة وكثيرة فعلا تحتاج إلى علاج لا يتم التطرق إليها إطلاقا, لأن هناك اعتقادا معاصرا لدى البعض مفاده أن الشهرة لا تأتي إلا من المستنقع القذر .. فأين القصص التي تروي عقوق الوالدين مثلا أو تلك التي تروي قصص مآسي الأيتام ومشكلات الخادمات والتفرد بالأبناء وغيرها آلاف القضايا الأخرى التي يحتاج فيها المجتمع فعلا إلى توجيه أم أن تلك الأخيرة يعدها البعض أفكارا تافهة لا تقدم الشهرة؟!
الشهرة .. لماذا عبر الممرات المظلمة؟!

نجلاء أحمد السويل
الجمعة 19 فبراير 2010 4:38