منتدى جدة الاقتصادي ورشة عمل ذات صبغة عالمية تجاوزت الحدود الإقليمية لتصل بمداها إلى نطاق دولي أشمل، فبعد أن أخذ مكانته في عالم المال والأعمال وتحقق له المركز المرموق اللائق بالمملكة وما تمثله من ثقل في التجارة الدولية للمنطقة والعالم الصناعي، فإنه اليوم محور لنقاش مستمر حول الأزمة المالية العالمية لبحث سبل الخروج منها وتشخيص الحالة الراهنة وتقييم ما تم اتخاذه من قرارات ومدى فاعليتها ونفاذها، ومن الواضح جدا أن هذا المنتدى في دورته الحالية قد طغت عليه الأزمة المالية وسادت نقاشاته حتى الجانبية، وهذا يعكس مرونة أهدافه، فهو ليس منتدى للتنظير، بل هو منتدى لبحث الواقع بشفافية للوصول إلى حلول عملية.
ولأن العالم اليوم لا يزال يعاني آثار الأزمة التي أصابت الاقتصاد العالمي في مفاصله، فقد كانت الأفكار التي تمخض عنها منتدى جدة تتلخص في التأكيد على سلامة النهج الذي قاده الساسة للخروج من الأزمة، ودعوة إلى استمرار الدعم الحكومي للقطاع الخاص وبالذات المصرفي، وزيادة الإنفاق الحكومي وعدم التراجع عن تلك الخطط والبرامج التي تم الالتزام بها، لأنها تعيد الحياة إلى مواقع تضررت كثيرا بفعل الأزمة، كما أن توقف برامج الدعم المعتمدة في قمتي العشرين سيلحق أضرارا جديدة ويعوق الانطلاقة التي قد بدأت بالفعل ويمنع استمرار التحسن الذي قد يوحي بالاطمئنان قبل أن تكتمل مسيرة إصلاح ما أفسدته الأزمة.
ولقد أصر الخبراء في هذا المنتدى على أهمية القطاع المصرفي الذي يمثل الرئة التي يتنفس من خلالها الاقتصاد برمته وفي جميع دول العالم وبجميع قطاعاته، حيث بدا واضحا الإصرار على أهمية الرقابة والإشراف الصارم على القطاع المصرفي والمالي عموما، فالعالم لا يحتمل قطاعات مالية أو مصرفية ذات إشراف ضعيف، لأن الدرس الذي تحقق للبنوك المركزية كان مؤلما وكان بالإمكان تفاديه، فالمبادئ التي تمثل أهم مرتكزات الإشراف الحكومي المنظم، قد تمت التضحية بها لحساب الجري الحثيث خلف تحقيق الأرباح بأعلى سقف ممكن، ولأن الأخطار التي تم القبول بها كانت عالية، فقد جاءت الخسائر عالية أيضا وفي الدول التي تخطت عناصر الرقابة والإشراف، ولعل هذا ليس جديدا، لكن الأهمية في الإصرار على هذا التوجه والإعلان عنه من قبل المسؤول الأول عن البنك المركزي السعودي، الذي أفاد بتجربته العالم في أهمية الإشراف على القطاع المصرفي والتنبيه المتواصل للبنوك بالالتزام بمقررات مؤتمري بازل الأول والثاني، فضلا عن الالتزام بالضوابط والمعايير التي يتبناها كل بنك مركزي على حدة، باعتبارها تعبّر عن أخطار معينة في بلد معين.
كما حاز الدولار اعترافا متجددا بأهميته كعملة عالمية لا يمكن الاستغناء عن الدور الذي يلعبه في الاقتصاد والتجارة، رغم أهمية اليورو في تعزيز التوازن في سوق العملات، إلا أن ما أكده المتحدثون وحاز إجماعا غير مسبوق، هو أن زمن هيمنة الغرب على الاقتصاد قد ولى، وأنه لا توجد هيمنة منفردة، بل هناك تعدد في الأقطاب الرئيسة ومشاركة من أقطاب أخرى تسهم في تحريك دفة الاقتصاد العالمي وتوجهه نحو مصالح مشتركة، ولأن عودة الثقة إلى النظام المالي العالمي مطلوبة لكي يعود تدفق الاستثمارات وتنمو أرقام التجارة البينية، فإن كل ذلك مرهون في الواقع بجهد الحكومات والمنظمات الدولية والقيادات الاقتصادية في العالم، فالمسؤولية مشتركة، لأنه لا أحد يستطيع السير منفردا أو وفق أجندته الخاصة في ظل حاجته إلى الآخرين، ولعل أهمية التكتل الاقتصادي الخليجي وعملته الموحدة ستكون محورا قادما تتركز عليه المناقشات الرئيسة، لأن الاندماج الخليجي سيكون قوة قادمة تجعله يتكلم بصوت واحد.
