لا أحد يشك في أن ما أبدته قواتنا المسلحة من قدرات قتالية عالية في صد المتسللين إلى الحدود الجنوبية للمملكة، ومطاردة فلولهم، كان عاملا حاسماً ليس في اندحارهم وتراجعهم وبحثهم عن مخرج يحفظ ما بقي لهم من قوة فحسب، وإنما جعلهم أكثر رغبة في التراجع عن طموحاتهم في الداخل اليمني والانصياع لشروط الحكومة اليمنية التي طالما رفضوها.
فما لقيه هؤلاء المتسللون من ردة فعل قوية وضربات موجعة من القوات السعودية، وكذلك رفض المملكة جميع محاولات فتح حوار معهم، جعلهم يبحثون عن مخرج لوضعهم المتأزم الذي وضعوا أنفسهم فيه - ولو مؤقتا - عبر طرح مبادرات هي إلى التسليم بالهزيمة أقرب، ولهذا فقد أخطأت بعض وسائل الإعلام حينما اعتبرت ما طرحه المتمردون رغبة في الصلح، في حين أنه دليل على هزيمة واضحة. والغريب أن بعض وسائل الإعلام وهي تتناول ما طرح من شروط لإنهاء التمرد داخل اليمن، ركزت على الشرط الذي زج فيه باسم المملكة، وكأنها طرف في هذه المفاوضات، في حين أن موقف المملكة واضح ومعلن وهو أنها لن تقبل بوجود هؤلاء على حدودها، وإنما تريد أن يكون الجيش اليمني هو المسيطر على المناطق الحدودية من الجانب اليمني، وليس مجموعات من المتمردين، كما أعلنت المملكة أنها لن تخفف من استعداداتها لمواجهة أي طارئ لأنها لا تثق بهؤلاء ولا بما يبدونه من دعوات للحوار.
وهذا الأمر أكد عليه صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلطان في تصريحه الذي قال فيه: “مطالبنا بسيطة وهي عدم بقاء أي متسلل على أراضي المملكة وهذا حققناه ولله الحمد، ليس رغبة منهم، بل قوة منا باستعادة جميع الأراضي السعودية، وثانيا أن يحل الجيش اليمني على طول الحدود السعودية اليمنية لضمان عدم تسلل أو دخول أية زمرة ولا نعني قبيلة معينة بل أي متسلل لن نسمح له بتاتا”.
وقد كانت المملكة كعادتها وفية لليمن الشقيق حينما رفضت الدخول في حوار مع هؤلاء المتسللين أو موافقة بعض الدول في دعواتها للتوسط بين المملكة والمتسللين، وهذا الموقف قوى موقف الحكومة اليمنية التفاوضي، وجعل المخرج الوحيد أمام المتمردين هو الحوار مع دولتهم.
والمملكة وهي ترقب ما يجري على الساحة اليمنية من محاولات لوضع حد للتمرد، لا يمكن أن ترهن أمن أبنائها إلى اتفاق يوقع أو إعلان يتلى، بل تسعى إلى حل حاسم ينهي وجود هؤلاء المعتدين قرب حدود المملكة، خاصة وهي تدرك أن قرار هؤلاء المتسللين ليس في أيديهم، فهم مجرد مرتزقة يدفع لهم للقيام بأعمال هي إلى عمل العصابات أقرب.
ومن هذا المنطلق جاءت تصريحات سمو مساعد وزير الدفاع والطيران الأمير خالد بن سلطان التي شكك فيها بما يعلنه المتمردون، حينما أشار إلى أن هناك مؤشرات تدل على سوء نية، وأن المملكة لديها إمكانات كافية للرد عليهم، كما أشار إلى أنه لا بد من الأخذ بتاريخ هذه الجماعة التي حاربت الجيش اليمني عدة مرات ونقضت اتفاقيات وقف القتال خمس مرات.
إن المملكة تدرك أن مسؤولية حماية أمن مواطنيها وحدودها أمر لا يمكن الركون فيه إلى اتفاقات أو تعهدات، مهما بلغت درجة إحسان الظن بالآخر، فما يجري في منطقتنا العربية من مماحكات وتدخلات أطراف إقليمية تسعى إلى بسط سيطرتها على أجزاء من المنطقة العربية، عبر تدخلاتها المعلنة، أو عبر إيجاد بؤر مضطربة، يجعل من الحكمة الأخذ بالأسباب التي تمنع كل معتد وتجعله يدرك أن ردة الفعل لن تكون متساهلة، وهذا الدرس يبدو أن كثيراً من الأطراف قد أدركته من خلال التعامل القوي مع المتسللين.
