هل نجح العالم في تخطي الأزمة الاقتصادية التي بدأت مالية؟ السؤال ربما يملك طيفاً من الآراء بين السلب والإيجاب، غير أن الدلالات تشير إلى أن الأزمة ولّّدت أزمة أخرى، تتمثل في معضلة الاتفاق الحكومي الذي تم توجيهه للبنوك والمؤسسات المالية لفرملة انهيارها كما هو الزعم.
الإنفاق كان سحباً من رصيد دافعي الضرائب، أي الناس ، وكان أيضا تمويلاً بعجز، بل تصعيداً في حجم العجز، وهو بدلاً من أن يؤدي إلى إعادة عجلة الإقراض أو الاستثمار، قام فقط بترقيع شقوق احتياجات المصارف والمؤسسات المالية نفسها، سواء تمكينها من الاستمرار في ضخ المخصصات المالية العالية كرواتب وعمولات للمتنفذين في تلك المصارف والمؤسسات، أو في التخلص من الديون الفاسدة القادمة من المضاربات على المشتقات المالية وغيرها .. أي أن التمويل أعاد للبنوك وللمؤسسات المالية رصيداً قد يقارب تلك الأرقام الدفترية المكشوفة!
وإذا كان الاستياء بادياً من قبل المراقبين ومن الناس بوجه عام من جراء حصول البنوك والمؤسسات المالية على غنائم على حسابهم مكافأة لها على ما كانت هي السبب الأساسي فيه، فإن الاستياء بدأ بأخذ طابع الإلحاح في السؤال: وماذا بعد؟ وهل ستظل الدول مجبرة تحت إرهاب التلويح بانهيار النظام المالي والمصرفي، على أن تواصل الدعم والوقوف بلا حول ولا قوة تجاهها؟ أليس بإمكان المساءلة أن تذهب عميقاً، ليس في إعادة المصداقية للنظام المصرفي والمالي والعمل بقواعده الرقابية المحكمة في السابق، ووفق ما يستجد من آليات مساندة فحسب، وليس كذلك بوضع الرؤساء والمديرين والأشخاص التنفيذيين في تلك المصارف والمؤسسات أمام القانون ومحاكمتهم على تهشيم الأطر الصارمة التي كانت تدار بها العمليات المصرفية والمالية وتهاونهم واستباحتهم للصلاحيات، وإنما فوق ذلك كله، المضي بعيدا في مساءلة وكالات التصنيف المالية التي كانت بتقييماتها للبنوك والمؤسسات المالية تموّه على حقيقة وضعها المالي والإداري، فهي نفسها مسؤولة عما حدث، لكونها كانت تعرف لكنها غطت عليها وغررت بالدول والمؤسسات والشركات والأفراد أيضا وجعلتهم يثقون بملاءتها المالية وقدراتها الائتمانية، فيما كانت في الأغلب مصارف ومؤسسات معطوبة من الداخل وهشة أشبه ما تكون بنمور من ورق فعلاً!!
هواجس المساءلات هذه ظلت توازيها نداءات بضرورة توجيه الاتفاق الحكومي للاقتصاد المادي، أي لقطاع الإنتاج والخدمات التي تمس الاحتياج الحقيقي للناس ومعيشتهم وتدير عجلة العمل والإنتاج وتحفظ لقطاع الأعمال ديناميكيته وللوظائف وضعها، فضلاً عن إتاحة فرص عمل جديدة وليس تسريحاً للعمال وتنامياً مهولاً للبطالة.
هذا السجال متعدد الاتجاهات في مستوياته النخبوية والشعبية، هو ما يملأ فضاء الإعلام ويغمر بتجاذبه المؤسسات الاجتماعية، ولا يكاد يكف أحد عن الحديث عن أهمية أن تشق الحكومات طريقاً لها في هذا الأفق الغامض، في إلحاح كبير من قبل الجميع على أهمية الضغط قانونياً على المصارف ومؤسسات المال للمساءلة من جانب، وللمبادرة من جانب آخر، إلى إعادة عجلة الإقراض والاستثمار بعدما حصلت على دعم الدولة لها، وفي الوقت نفسه أن تخطو الدولة إلى ميدان دعم الاقتصاد الحقيقي، (الاقتصاد المادي، قطاع الإنتاج والخدمات)، فهو الأولى بالدعم من تلك المصارف والبنوك والمؤسسات المالية، التي كان إنجازها صناعة هذه الأزمة المروعة وتوريط الدول بها .. وطبعاً لن تعدم أي دولة وسيلة ما «لتدبير أموال لدعم الاقتصاد الحقيقي، وإن كان ذلك شديد التعقيد في آلية التنفيذ لكنها إذا شاءت فستفعل، طالما هي لم تتردد عن فعل ذلك للقطاع المصرفي بطرفة عين!!».
