الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

أسرار التميّز الياباني.. الانتماء المتبادل بين الشركات وموظفيها ( 3من3 )

سعود بن عبدالعزيز الشبيلي
سعود بن عبدالعزيز الشبيلي
الأحد 14 فبراير 2010 4:2

يهدف هذا المقال – وهو الأخير من سلسلة مقالات- إلى تحليل أسرار المعجزة الاقتصادية التي حققتها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لاستجلاء إمكانية الاستفادة منها أو من بعض جوانبها في بيئة الأعمال السعودية. وتتسم بيئة الأعمال اليابانية بالانتماء المتبادل بين الشركات والعاملين فيها لدرجة أن الموظف يعرِّف نفسه مسبوقاً باسم شركته معتبراً إياها عائلته، وهي بالفعل كذلك، فأحسن الشركات سمعةً في المجتمع الياباني هي تلك التي ترعى أبناءها، كما تحنو المرضعات على الفطيم. روح العائلة هذه متأصلة في أذهان إدارات الشركات اليابانية ليقينها أن الموظفين السعداء يجلبون العملاء، كما أن المديرين يعتبرون أنفسهم كبار العائلة، خصوصاً أنهم بدأوا موظفين صغارا مباشرةً بعد الجامعة، وتدرجوا صعوداً في الهيكل التنظيمي للشركة. الهيكل التنظيمي للشركات اليابانية لا يفرِّق بين المديرين والموظفين، ويخلو تماماً من أسماء الأشخاص، ويكتفي بمسميات الإدارات والأقسام، كما أنه قلما يوجد وصف عمل يحدِّد المهام لكل موظف، فالجميع يعملون في فرق عمل متعدِّدة ومتغيّرة. ومازلت أذكر زيارتي لمقر شركة ميتسوي الرئيسي في طوكيو، حيث أوضح المسؤول أن شركته تعمل من خلال فرق عمل يتراوح عدد أعضائها من 5 إلى 30، يتبادلون وجهات النظر والأفكار وصولاً لتوافق جماعي في اجتماعاتٍ مطوّلة وفق مبادئ الشركة التنظيمية المشتملة على متابعة الأسواق والابتكار المستمر والعلاقات الإنسانية. اللافت للنظر في ميتسوي وغيرها من الشركات اليابانية أن العلاقات الإنسانية أهم من الوظيفية، لذلك يحرص المديرين على مشاركة موظفيهم في فرق عمل الإدارات الأخرى لخلق مناخٍ من الانسجام والوحدة. وغالباً ما يدعو مديرو الإدارات موظفيهم إلى تناول طعام العشاء خارج الشركة ودفع كامل التكلفة والانصراف مبكراً، تاركين الموظفين لأخذ راحتهم في “الحش” الذي قد يطوله والتنفيس عمّا بداخلهم. وتمتد العلاقات الإنسانية لتشمل المورّدين والعملاء، كما حصل في شركة أوريل للروبات، عندما واجه أحد مورديها صعوبات مالية سارعت الشركة إلى مده بمساعدات مادية وخبرات إدارية حتى تخطى مشاكله، أو حين أعلن أحد عملائها إفلاسه حيث قامت “أوريل” بتوظيف العاملين في شركته حتى لا يجدوا أنفسهم وأسرهم في الشارع. جدير بالذكر أن الشركات اليابانية تخلو من أي فوارق كبيرة بين المخصصات السنوية لكبار المدراء التنفيذيين وموظفي المراتب الدنيا التي لا تتعدى 7.5 ضعفاً حسب إحصائيات الغرفة التجارية الصناعية اليابانية. في أوقات تعثر أداء الشركة لأي سبب يتم خفض رواتب الإدارة العليا أولاً، يتبعه في أصعب الحالات الخصم من الإدارة المتوسطة بشكل تطوعي، أما مخصصات المراتب الدنيا فلا يطولها أي تخفيض مهما كانت درجة الركود الاقتصادي. أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، خفّض كبار المديرين التنفيذيين في شركات الأنسجة والحديد وبناء السفن والمقاولات الإنشائية رواتبهم بنسبة تراوحت بين 15 في المائة و20 في المائة لمدة عامٍ واحد لتخفيف النفقات حفاظاً على سلاسة الأداء في أوقات الكساد بمقتضى روح العائلة الواحدة. وللمحافظة على العمل بروح العائلة والتقليل من حدة المنافسة بين الموظفين، لجأت الشركات اليابانية إلى اتباع نظام الترقيات على أساس السن، يساعدها في ذلك تجانس الشعب الياباني وتماثل تعليمه الجامعي وسلوكيات العمل في مجتمعٍ تحيته الصباحية شد حيلك في العمل (قنبته كودساي). طبعاً، نظام الترقيات هذا القائم على الأقدمية فرض على الشركات المحافظة على معدلات نمو كبيرة حتى يتسنى لها خلق وظائف جديدة للقادمين من أسفل الهيكل التنظيمي، وإلا فإنها مضطرة لإحداث مناصب وهمية تعقَّد البنية الإدارية وترفع التكاليف. لذلك عمدت معظم الشركات اليابانية مثل إستان للمجمعات التجارية إلى تشجيع التقاعد المبكر بعد مضي 20 سنة من الخدمة، خصوصاً لمن لا توجد له فرصة للترقي إلى وظائف عليا. وتنظّم الشركات اليابانية عدداً من الأنشطة الثقافية والترفيهية لموظفيها، وغالباً ما تُنشئ نواديٍ رياضية ومنتجعات سياحية خارج المدن لهذا الغرض، وفي حالات كثيرة تُفتح هذه المنشآت للمجتمعات المحلية. وتتّبع شركة كانون تقليداً اجتماعياً يابانياً في الاهتمام بكبار السن من خلال تكوين جمعية صداقة للمتقاعدين، بلغ عدد أعضائها 1362 متقاعداً بحلول عام 1984م، يقضون أوقاتهم في ناد رياضي وصحي مخصّص للكبار. حقيقة الأمر أن الشركات اليابانية ليست منظمات اقتصادية تنشد الربح والنمو فحسب، بل أيضاً كيانات اجتماعية تركّز على الانسجام والوحدة بين العاملين فيها وإذابة الفوارق المعنوية والمادية بين الإدارة العليا وصغار الموظفين، والتعاون مع المورّدين والعملاء وخدمة المجتمع بشكلٍ عام، بالإضافة إلى حرصها على الانتماء للاتحاد القطاعي المتخصص في المجال نفسه. وفي الختام، فإن هذه السلسلة من المقالات حول أسرار المعجزة الاقتصادية في اليابان، تبيّن أن معظم الممارسات اليابانية لها بُعد إنساني يمكن تكييفها لتلائم بيئة الأعمال السعودية ؛ فقد نقلنا الكثير من بيئة الغرب المختلفة عنا ؛ وربما حان الوقت للاستفادة من الشرق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية