الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

العالم العربي بين المكابرة والفرص الضائعة!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الثلاثاء 9 فبراير 2010 5:26

لم يعد الاحتلال بمعناه المادي العسكري مطلب القوى الكبرى التي تسعى إلى الهيمنة على العالم، بعد أن دخلت الأمم مع الإنترنت لعبة العالم الافتراضي، أو عالم اللامكان، الذي يستطيع أن يحقق كل المكاسب التي تسعى إليها الحروب والاحتلالات العسكرية، من السيطرة على المقدرات إلى فتح الأسواق، وضخ ثقافات استهلاكية جديدة في المجتمعات المستهدفة دون الحاجة إلى تحريك أساطيله العسكرية.

دول الغرب التي كانت تمثل الوجه الاستعماري البشع خلال القرن الماضي، باتت مع ثورة الاتصالات الحديثة وتقنياتها المتطورة، أكثر قدرة على تمرير أهداف الاحتلال العسكري دون تحريك جندي واحد من ثكنته العسكرية، بعد أن تراجعت الأطماع السياسية لمصلحة الأطماع الاقتصادية التي تديرها الشركات العملاقة العابرة للقارات، والتي أصبحت المحرك الأساس لكل السياسات الدولية، ولنا أن نتخيل أن نحو 8 في المائة تقريبا من مجموع سكان العالم اليوم يعبرون حدودا قومية في السنة الواحدة بهدف العمل وإبرام الصفقات، وهذا الرقم يوازي عدد سكان العالم عام 1650م في بدايات العصر الصناعي، غير أن هذه الفلسفة الاستعمارية التي دفعت الفرنسيين ذات يوم بعد انتشار مطاعم ماكدونالد الأمريكية في المدن الفرنسية، إلى أن يجأروا بالشكوى من تسلل الثقافة الغذائية الأمريكية إلى مجتمعهم مع ما يحمله هذا التسلل من تهديد واضح لخلق ثقافة جديدة لن يقتصر دورها عند تغيير النمط الغذائي للمجتمع، وإنما سيمتد للدفع باتجاه فرض سلوكيات اقتصادية جديدة وطارئة على المجتمع الفرنسي.

في العالم العربي، الذي يشكل مادة خصبة لاستهداف هذه القوى الناعمة، لا تزال الرؤية للاحتلال تتزيّا باللون الكاكي، والمعدات العسكرية وحسب، لذلك لا أحد يطرح أي صيغة في مقابل الاحتلال بصورته الجديدة، وقليلة هي الحكومات العربية التي تؤسس لمشروع شراكة على الأقل مع هذا المقبل الجديد، حتى لا تجد نفسها معزولة تماما في خانة الاستهلاك دون أن يكون في يدها ما تفاوض به أو عليه، حتى إن كثيرا من المدن العربية العريقة أوشكت أن تفقد هويتها بعدما حولها النموذج الاقتصادي الأممي إلى مستنسخات للمدن الغربية بكل تفاصيلها، وحتى في مقام اللغة، بدأت هذه المدن كما لو أنها فقدت أبجديتها، حينما أذعنت طواعية للغة الاقتصاد، اللغة الإنجليزية، التي شكلت وعاء هذا التحول المندفع بقوة هذا التوحش الاقتصادي.

وكان من الطبيعي جدا أن يحدث مثل هذا الفصام بين الإنسان العربي وهويته لتأخر دول العالم العربي عن تكوين منظومة اقتصادية ثقافية أو تكتل إقليمي قادر على المفاوضة من موقع قوي.. ما جعل دوله عرضة للاستفراد ومن ثم الاضطرار للإذعان لإملاءات المستعمر الجديد، الذي يبدو أليفا وطيعا وبراقا كورق السلوفان الذي يغلف الهدايا في متاجر الخمسة نجوم.

كانت هنالك فرصة ولا تزال لدول العالم العربي أن تكون لها رؤيتها الخاصة كمجموعة في هذه التحولات العولمية المخيفة التي تجر العالم برمته باتجاه واحد وبلون واحد، لو استثمرت موقعها الجيوسياسي، واستثمرت ثرواتها وإمكاناتها وفقا لترتيبات المصالح المتبادلة، لتفرض نفسها، لا كأسواق مثلما يحدث الآن، وإنما كشريك فعلي في السياسات الاقتصادية الدولية، غير أن هذا التوجه كان يستدعي أول ما يستدعي بناء رؤية استراتيجية لا تتحرك بترمومتر الأهواء والأنواء السياسية، بقدر ما تعتمد على المحرك الاقتصادي الفاعل، وهو المحرك الذي استطاع أن يلم شتات أوروبا، ويطوي خلافاتها البينية، لتحقق عملتها الواحدة، بل لتتحدث بلسان وزير خارجية واحد، هو مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، الذي يستطيع أن يتباحث في جميع شؤون الاتحاد مع مختلف دول العالم، حيث لا يكون هناك أي فرق بين لوكسمبرج كدولة متناهية الصغر وفرنسا صاحبة حق النقض في مجلس الأمن كإحدى الدول العظمى. في حين بقي العالم العربي، الذي لا يزال يعيش هاجس الاحتلال العسكري، خانعا لنظرية المؤامرة.. بعيدا تماما عن هذه الأجواء والمستجدات.. حتى إن تمثيل المملكة له في منظومة العشرين على أهميته كمدخل رئيس لقيام هذه الشراكة الدولية، لم يحظ ببند واحد جاد على قائمة مؤتمرات القمة العربية مثلما يستحق.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية