إنها ليست «بديلة» بل «مكمّلة»
هذا المقال هو تتمة لمقال الأسبوع الماضي الذي كان بعنوان: «طاقة «جديدة» و«متجددة» لكنها «قديمة» و«متقطعة»»، الذي جاء في مقدمته: سيكون نمو الطلب على الطاقة كبيراً جداً خلال العقود المقبلة لدرجة أنه لا يوجد هناك شيء يمكن تسميته بـ «البدائل». الحقيقة أننا نحتاج إلى كل مصادر الطاقة، لذلك فإن المصادر المتجددة تسد ثغرة مهمة في الطلب على الطاقة، ونحن نحتاج إليها في كل الحالات. ورغم تأييدي لمختلف مصادر الطاقة غير الأحفورية، خاصة الطاقة من روث الحيوانات ومن النفايات المختلفة، إلا أنني ضد مصادر معينة للطاقة التي توجد فقط بسبب الدعم الحكومي لها، وضد القرارات الحكومية الداعمة لمصادر طاقة معينة تماشياً مع «الموضة»، أو لإبهار زوار البلد بـ «صداقته للبيئة». بناء على هذه المقدمة من مقال الأسبوع الماضي، وبناء على خلاصته، يمكن القول إن مصادر الطاقة التي تسمى بـ «البديلة»، أو «الجديدة»، أو المتجددة»، يجب أن تسمى مصادر الطاقة «المكمّلة» وذلك لأنها تسد ثغرة صغيرة في الطلب على الطاقة وتكمل ما تقوم به الطاقة التقليدية.
مشكلة التوليد المتقطع
من أهم مشكلات الكهرباء المولَدة من الرياح أو أشعة الشمس أنها متغيرة ومتقطعة. الحل هو تخزين الكهرباء لاستخدامها في الأوقات الذي تكون فيها الرياح ضعيفة أو في أوقات الظلام، ولكن هذه التكنولوجيا ما زالت في مهدها وتحتاج إلى زمن طويل لتطويرها، خاصة على نطاق كبير يكفي مدناً كاملة.
نظرا لتقطع الكهرباء، فإنه لا بد من وجود حد أدنى من الكهرباء التي لا تنقطع، وهذا يأتي من أربعة مصادر فقط: الغاز، الفحم، الطاقة النووية، والنفط. ولا بد من وجود طاقة إضافية فائضة لتغطية العجز الناتج عن تقطع الكهرباء الناتجة عن طاقة الرياح والطاقة الشمسية. إضافة إلى ذلك، ووفقا لدراسة أصدرتها أخيراً وزارة الطاقة الأمريكية، فإن تكاليف الطاقة الهوائية كبيرة لعدم إمكانية تخزين الكهرباء، وقدم شبكة الكهرباء التي لا تتلاءم مع مواصفات الطاقة الجديدة، وضرورة وجود طاقة فائضة عاطلة عن العمل تعمل بالوقود التقليدي كاحتياطي. وكلما زاد الاعتماد على الرياح، زادت كمية الكهرباء غير المستخدمة، وزادت كمية الاحتياطي اللازمة لتغطيتها في حالة انخفاض الإنتاج. الأهم من ذلك كله أن التقرير يقول إن طاقة الرياح قد تحل محل 20 في المائة إلى 30 في المائة من الفحم والغاز في توليد الكهرباء، ولكن هذا يتطلب إعادة تنظيم شبكة الكهرباء الأمريكية، كما يتطلب استثمارا قدره 93 مليار دولار. هل لاحظتم أن التقرير لم يذكر النفط! على كل حال ليست هذه المفاجأة في التقرير. التقرير يقول إنه حتى لو تم إحلال طاقة الرياح محل 30 في المائة من الفحم والغاز في توليد الكهرباء في الولايات المتحدة فإن الفوائد البيئية محدودة: أقصى ما يمكن تخفيضه من انبعاثات غازات الكربون هو 4.5 في المائة فقط.
مشكلات الطاقة الشمسية
إضافة إلى مشكلتي التوليد المتقطع واستحالة تخزين الكهرباء بكميات كبيرة، فإن هناك مشكلات كثيرة تتعلق بارتفاع التكاليف، وكمية الاستثمار اللازمة في البداية، إضافة إلى مشكلات تتعلق بالمكان الذي ستوضع فيه صفائح أو مرايا الطاقة الشمسية. إن أغلبية الدراسات التي تؤيد استخدام الطاقة الشمسية وتظهرها مجدية اقتصاديا مبنية على افتراض استخدام تكنولوجيا الطاقة الشمسية وفقا لأعلى مستويات الكفاءة. ومتى انخفضت هذه الكفاءة فإن جدواها الاقتصادية تنخفض. إن أفضل بيئة تضمن عمل تكنولوجيا الطاقة الشمسية بأعلى مستويات الكفاءة هي البيئة المشمسة الجافة نسبيا وغير صحراوية. هذا يعني أن تكنولوجيا الطاقة الشمسية ستعمل بمستويات كفاءة أقل من المخطط لها في المدن ذات الرطوبة العالية، وفي المدن التي تتعرض لأعاصير رملية.
فقد أثبت عديد من الدراسات أن كفاءة إنتاج الكهرباء تنخفض مع ارتفاع معدلات الرطوبة بشكل كبير، لذلك فإن توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في أوقات الذروة لن يجدي في المدن الخليجية الساحلية. وقد أثبتت التجربة أن مشكلة الطاقة الشمسية في الصحراء هي الرمال. فتغطية الرمال للشرائح أو المرايا تحجب الشمس، الأمر الذي يتطلب تنظيفها باستمرار، وهو أمر مكلف. وإذا استخدمت التكنولوجيا، مثل مساحات تشبه مساحات السيارات، فإن هذه المسّاحات ستستهلك جزءا من الطاقة المنتجة، وهذا لم يحسب في الدراسات الأولية للمشاريع (إضافة إلى كمية الطاقة اللازمة لإنتاج المساحات ونقلها وتوزيعها). ولكن المشكلة الأكبر هي أن الرمال تشوه سطح الشرائح أو المرايا، الأمر الذي يخفض كفاءتها بشكل كبير وقد يوقفها أحياناً.
وكان أحد الإخوة المتخصصين قد ذكر لي رأيا مهما ومقنعاً وهو أن الطاقة الشمسية مفيدة في الخليج، رغم تكلفتها العالية، وذلك للسبب التالي: إن مشكلة الكهرباء في دول الخليج هي في أشهر الصيف في فترة ما بعد الظهر، بينما هناك فائض في الليل. لذلك فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تولد كميات إضافية في فترة الذروة لتحل مشكلة الطلب الكبير في تلك الفترة. رغم وجاهة هذا الرأي الذي يوضح الفرق بين استخدام الطاقة الشمسية في الدول الأخرى والخليج، إلا أن عملية استخدام الطاقة الشمسية في ذلك الوقت بالذات له مشكلات الخاصة:
خلايا ومرايا الطاقة الشمسية المنتشرة عالميا غير مخصصة لمناطق ذات الحرارة العالية، وإذا استخدمت في دول الخليج فإن الحرارة الشديدة ستؤثر فيها، وقد توقفها عن العمل.
إضافة إلى ذلك فإن هناك مشكلة عانتها عدة دول أوروبية وأمريكية وشرق أوسطية وهي أن ارتفاع درجة حرارة الشرائح يخفض من كفاءتها بشكل كبير، وقد يوقفها عن العمل تماما. فإذا كان الهدف هو استخدامها وقت الذروة لتفادي أي عجز في الكهرباء، فإن انخفاض كفاءتها أو توقفها قد يؤدي إلى كارثة.
حل المشكلة الأولى سهل، ولكنه مكلف، وسيغير من اقتصادات الطاقة الشمسية. إلا أنه في ظل العجز في الكهرباء وقت الظهيرة فإن ارتفاع التكاليف قد لا يؤثر في قرار استخدامها لتوليد الكهرباء. حلول المشكلة الثانية تتعلق بالتكنولوجيا، وليس لدي علم بأن هناك تكنولوجيا حاليا تمنع انخفاض كفاءة الشرائح إذا ارتفعت حراراتها، ولكن أرجو من المتخصصين في الموضوع أن يذكروا للقراء إذا تطورت التكنولوجيا بشكل يمنع انخفاض كفاءة الشرائح المنتجة حالياً إذا ارتفعت حراراتها.
خلاصة الأمر، قبل البدء في مشاريع الطاقة «المكملة» بما في ذلك مشاريع الطاقة الشمسية، يجب تبني سياسات لزيادة كفاءة إنتاج الكهرباء من جهة، وترشيد استهلاك الكهرباء وزيادة الكفاءة في الاستخدام من جهة أخرى. وإذا لم يتم ذلك، فإن الصحراء كلها لن تكفي لإمداد الناس بالكهرباء في المستقبل.







9 تعليقات
لابد من النظر الجاد في الطاقة الشمسية، والطاقة الذرية لاحتياجنا للكهرباء لسنوات قادمة، ولأن طاقة النفط "غير متجددة" لكنني أظن أن مثل هذا القول مما يستدعي "سجود السهو" والاستغفار!!!!!
بداية ارى ان التسمية مقبولة من حيث الدور الذي تؤديه هذه المصادر "المكملة" في معظم المجالات لكن ارى ان الدور الغربية وغيرها تسعى الى استخدام طاقة بديلة بالكامل وليس الموضوع معنيا بتوليد الكهرباء فقط بل سيشمل اي مجال يستطيعون اللجوء اليه ومن ذلك وقود السيارات والتدفئة اما موضوع الالواح الشمسية فاعتقد ان المعول عليه هو لتقانة النانوية وهي القادرة على تحسين كفاءة الالواح وتعزيز مردودها
السلام عليكم
وأشكر أستاذنا د. أنس على متابعته لهذه المواضيع التي أراها عاجلة وجادة في آن معا...
سمعنا مؤخرا عن مشاريع للطاقة الشمسية تسثمرها الدول الأوربية في بعض الدول العربية في شمال أفريقيا... بحيث تنتقل الكهرباء المولدة إلى الطرف الشمالي من البحر المتوسط.
عسى أن يجدّ القائمون على استثمارات الطاقة في استنباط الطاقة من مواردها العديدة في باقي الدول العربية.
يعطيك العافية دكتور..
التبريد بطرق ذكية ضروري في خلايا ومرايا الطاقة الشمسية و يمنع ارتفاع الحرارة بشكل جيد و هو مستخدم علي نطاق واسع ، و توجد عدة تجارب أجنبية بدول الخليج مثلا في مدينة الملك عبدالعزيز بالرياض و بمدينة "مصدر" الإماراتية.
و أعتقد أن انتشار الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء للمنازل و المصنع سيكون خلال هذا العقد.
بارك الله فيك مواضيعك متميزة دائما
مازلت يادكتور على نفس الحديث
تصوير الطاقات المتجددة وخصوصا الطاقة الشمسية
بانها هدرا للمال والوقت والجهد
سوف اذكر تجربة لا ادري لماذا هي مغيبة
في القنفذة زار خبير الماني المزارع هناك وكانت من اجل
الاطلاع على المزارع التي تعمل بالطاقة الشمسية
وصرح بتصريح رائع جدا قال في حال اعتمدت المملكة
على تطوير هذا النموذج من المزارع فان المملكة
سيكون لها شان في عالم الزراعة
والزراعة تنتج اليوم الوقود الحيوي بالاضافة
الى تصدير الفائض من الطاقة
ولضيق المساحة اكتفي فقط بذلك
شكرا لجميع الأخوة على كلماتكم اللطيفة وتجاوبكم.
الأخ أبو صلاح: كلام جميل، وكما ذكر في المقدمة، فنحن بحاجة لكل مصادر الطاقة.
الأخ أبو خالد: شكرا لكم، حتى تقانة النانو لم تخفض من التكاليف.
الأخ نوار: نعم، هناك مشروع، ولكنه مدعوم من الحكومات بتكاليف غير منافسة.
الأخ برهان: شكرا على المعلومة، وهذا يؤكد أن تكاليف الطاقة الشمسية في الخليج أعلى منها في أوروبا.
الأخ أسراري: "السر" في أنه " خبير الماني"، وزامر الحي لايطرب.
وجدير بالذكر أن الطاقة الشمسية حتى تكون مجدية يجب أن تكون نسبة الإشعاع الشمسي العمودي 5 بالمائة في الساعة، وفي منطقة الخليج تصل هذه النسبة إلى 7 بالمائة، أي أن دول الخليج تتمتع بمصدر للطاقة غير مستغل. فلو خصص 1 % من مساحة المملكة العربية السعودية للطاقة الشمسية، فإن الطاقة المتولدة عنها ستلبي احتياجات كل دول مجلس التعاون، حسب تقديرات عام 2005م
هذا تعليق لاحد الاخوة بخصوص هذا الموضوع
أحببت ان تجيب عليه ياستاذ انس
خصوصا انه مقنع
كما ان مدة سطوع الشمس على الخليج تبلغ3200ساعة
مجديةام لا