كنت في مجلس قبل أيام حيث دار جدل بيزنطي مثير بين فريقين من الحضور. قال أحدهم: كم نحن في حاجة إلى المدير المتميز الذي يستطيع أن ينفذ الخطط بإتقان! وقال آخر: بل نحن في حاجة إلى قائد ملهم يقودنا إلى النجاح أما المديرون فما أكثرهم!
قلت: ولماذا تستكثرون علينا أن نكون في حاجة إلى كلا الشخصين، المدير المتميز والقائد الملهم!
ذكرني هذا بجدلية طالما طرحت في كتب الإدارة والتطوير، وهي جدلية الفرق بين المدير والقائد وأيهما أهم.
فالمدير في أغلب التعريفات هو الشخص الذي يقود المؤسسة إلى تنفيذ خططها والوصول إلى أهدافها عن طريق الخطط والبرامج والمتابعة والإشراف وإدارة الموارد المتاحة وغير ذلك، وأما القائد فهو الشخص الذي يضع التصور العام ويرسم الطريق ويحدد الرؤية. واجبات المدير الأصلية هي في التنفيذ والمتابعة والمراجعة والمراقبة، وواجبات القائد هي توضيح الرؤية والرسالة وتحفيز المجموعة لتحقيقها والتنبؤ بالمشكلات وقراءة المتغيرات. وهنا يبرز السؤال المهم الذي بدأنا به: أيهما أهم، المدير أم القائد؟
لا شك أن كليهما مهم لنجاح أي مؤسسة أو مجموعة، فمن غير قائد لا يمكن أن يكون هناك نجاح حقيقي، حيث تخبو الرؤية، وتتشعب الجهود، وتتضارب المصالح، وسرعان ما يضعف الحماس وتنطفئ شمعة التميز ، بينما من دون المدير المتميز تبقى هذه الخطط حبرا على ورق و لا يمكن للقائد أن يحقق شيئا حيث إن الكلام سهل والأحلام (ببلاش) ولكن تطبيق هذه الأحلام على أرض الواقع هو التحدي الحقيقي، وبالتالي فالقائد من غير مدير متميز لا يمكن أن تنجح خططه ورؤاه، والمدير من غير قائد ذي رؤية لا يمكن أن يصل إلى شيء ذي بال.
وهنا يبرز سؤال مهم، هل يمكن أن يكون الإنسان مديرا وقائدا في وقت واحد؟ والجواب بالطبع نعم. فكثير من الإداريين يكون مطلوبا منهم أن يقوموا بالدورين في وقت واحد، أو في أوقات ومواقف مختلفة. فعند التخطيط للمستقبل، وعند تلمس الفرص وترقب التحديات، وعند الأزمات و تضارب المصالح، وعند فتور الهمة واهتزاز القارب، يمارسون أدوارهم القيادية. وأما في الروتين اليومي حيث يكون التطبيق والمراجعة والمتابعة والدقة وممارسة فنون الإدارة والاستعمال الأمثل للموارد فهم يمارسون أدوارهم الإدارية. وتتفاوت نسبة هذا النوع من الأنشطة إلى تلك بحسب المؤسسة والظروف.
وإذا عرفنا أن المدير عادة ما يكون له منصب وسلطة إدارية لابد أن نتذكر أن القائد لا يشترط أن يكون له منصب، حيث إن القيادة في الحقيقة مهمة وليست منصبا. وقد سجل التاريخ أن أبرز القياديين الذين غيروا وجه التاريخ لم يتقلدوا أي مناصب رسمية في الغالب. خذ مثلا الأنبياء عليهم السلام الذين استطاعوا - كل في زمانه وظروفه- أن يحدثوا تغييرات هائلة في التاريخ عن طريق القدوة والتأثير والإقناع من غير مناصب رسمية. وخذ كذلك مثلا في الكثير من المصلحين على مدار التاريخ مثل غاندي ومارتن لوثر كنج وغيرهما كثير. وبالتالي ففي كل مجتمع ومؤسسة يوجد قادة حقيقيون يؤثرون بعمق في مسار هذه المؤسسة ويقودونها إلى مستقبلها يكون بعضهم هم أنفسهم القادة الرسميون للمؤسسة ولكن يكون الكثير منهم ليسوا القادة الرسميين وإنما من المثقفين أو العلماء أو الإعلاميين أو حتى من عامة الناس الذين لهم تأثير واضح فيمن حولهم.
ذهب مجموعة من العمال يوما ما مع قائد ملهم يبحثون عن كنز في غابة ما، فدلهم القائد مباشرة إلى المكان الذي يغلب على الظن أن يجدوا فيه بغيتهم، فبدأوا العمل، ولكن سرعان ما اكتشفوا أن الأجهزة معظمها متعطل، وأن الماء الذي معهم نفد، وأن المكان محفوف بالمخاطر، وأن الأرض في جانب منها صخري جدا وهم لم يستعدوا لذلك وتمنوا في تلك اللحظة لو كان بينهم مدير محنك يرشدهم ويساعدهم في تنفيذ العمل، ولكن القائد الملهم ظل يحفزهم ويحمسهم ويشجعهم وبعد شهر لم يصلوا إلى شيء. بينما ذهبت جماعة أخرى إلى منطقة أخرى مع مدير متميز وقد استعدوا أفضل استعداد فلم تكن هنالك مفاجآت تذكر وبدأوا العمل بكل همة ونشاط ولكنهم سرعان ما ملوا وفتروا، وبدأوا يتناقشون في جدوى البحث عن هذا الكنز أصلا، وبدأوا يختلفون فيما بينهم، وبدأ اليأس يفت في عزائمهم، ثم صعد أحدهم إلى منطقة مرتفعة بعد شهر كامل من العمل واكتشف أنهم كانوا يبحثون في المكان الخاطئ أصلا.
وبعد، فما رأيكم؟ هل نحن في حاجة أكثر إلى مديرين متميزين أم قادة ملهمين؟ افتونا مأجورين.
