الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

هناك مبادرة تقوم بها القوات المسلحة تتضمن إشراك القطاع الخاص في التصنيع الحربي، فالمعرض الذي تم فيه إطلاع القطاع الخاص على احتياج القوات المسلحة السعودية من المواد وقطع الغيار التي يمكن تصنيعها محليا يعد نقلة نوعية في قطاع الصناعة السعودي، وتشجيعا له على الإسهام في توفير احتياج القوات المسلحة بدلا من الاستيراد، وهي بداية فعلية لاستيراد التقنية وتوظيفها في خدمة الصناعة بشكل عام وعلى الأخص التصنيع الحربي، ولأن حاجة القوات المسلحة إلى التعاقد تتصف بالديمومة، فإن قرار القوات المسلحة عرض مستلزماتها الصناعية يأتي في مرحلة سيسهم فيها القطاع الخاص بشركاته ومؤسساته وعلاقاته التجارية الدولية لتطوير التصنيع الحربي الوطني، وتحقيق إحدى غاياته الرئيسة، وهي الاعتماد على التصنيع الوطني بدلا من الاستيراد.

إن هذه المبادرة تعد تحدياً للقطاع الخاص الذي يجد نفسه أمام فرصة جادة للإنتاج وهو مشروع يحتاج إلى قوى عاملة وإدارة وتسخير لوسائل الإنتاج التقنية في خطوط إنتاج ونماذج وأهداف وترتيبات ربما لم يتعود عليها القطاع الخاص السعودي سوى في مجال الإنتاج الغذائي أو الأجهزة المنزلية وهي تجارب ناجحة ولكن ليست بالمستويات التقنية والمهنية والفنية ذاتها اللازمة لنجاح التصنيع الحربي من قبل القطاع الخاص، فالقوات الجوية، على سبيل المثال، لديها حاجة لتوفير قطع الغيار والمواد بجودة عالية ليمكن الاستفادة منها فعليا، وإذا نظرنا إلى تجارب دول عديدة في مجال التصنيع الحربي، نجدها بدأت بإعطاء القطاع الخاص فرصة تصنيع بعض المواد وقطع الغيار ثم إخضاعها للاستعمال والتأكد من قدرة تلك المصانع على توفير الكميات المطلوبة وبالجودة المطلوبة ليمكن الاعتماد عليها.

ولعل هذه الفرصة الاستثمارية التي دُعي إليها عدد من رجال الأعمال السعوديين تأخذ طريقها للواقع، فهي فرصة ستحقق أهدافاً مباشرة وغير مباشرة، فهناك توظيف لرؤوس أموال وكوادر بشرية في الإدارة الصناعية وفرص عمل للشباب السعودي الراغب في العمل خلف خطوط الإنتاج وتحت مفاهيم مهنية كالجودة والانضباط ورفع مستوى المهارة، وإذا كانت الطاقات البشرية موجودة وهي بحاجة إلى العمل فإنها بحاجة قبل العمل إلى التعليم المهني والصناعي والتدريب ومتابعة تطوير المهارات المعرفية، وهناك معاهد قائمة لكنها تعاني الخلط بين التعليم الفني وأهداف التعليم العام. ولعل وجود قطاع صناعي حربي يبدأ بتصنيع المواد وقطع الغيار خطوة أولى ستعقبها خطوات أكثر تخصصا في الإنتاج ما يفتح المجال للاعتماد على عقود ضخمة ودائمة تجعل خطوط الإنتاج تعمل بصورة مطردة.

لقد وصل القطاع الخاص السعودي إلى مرحلة يفترض أن تكون النضج لينخرط في الإنتاج الفعلي الذي يضيف قيمة للناتج الوطني ويعزز القدرة التنافسية له فليست هناك معاناة في توفير رؤوس الأموال أو القوى العاملة ولكن هناك معاناة في وجود ذهنية تجارية لديها الرغبة في الخروج من الدائرة الضيقة التي رسمها القطاع الخاص لنفسه بين الاستيراد أو التصنيع البسيط لمواد وأجهزة دون تسخير عال للتقنية أو فتح باب المساهمات وجني الأرباح دون عمل ذي قيمة للفرد والمجتمع والاقتصاد الوطني بصورة عامة.

إن استيراد التقنية ليس محالا، فهناك من بدأ التصنيع بقدرات لا تعد شيئا يذكر ولكنها تحولت مع التجارب والتطوير الدائم إلى مشروعات ضخمة، بل هناك مبادرات قادها أشخاص وأصبحت اليوم علامات تجارية رائدة وفي مجال التصنيع الحربي، هناك دول في القارة الأم (آسيا) بدأت قبل عقود تجارب التصنيع المقلد وتحولت إلى التصنيع بجودة عالية ثم صارت منافسة في سوق التصدير، واليوم هي تصنع الطائرات الحربية والعربات العسكرية كاملة وغيرها من الأسلحة ولأننا نعيش في وطن نستحقه، فإن حمايته مسؤولية وطنية لكل فرد ورجل أعمال تتوافر لديه العزيمة القوية الصادقة للإنجاز فليس هناك مستحيل في الواقع إلا إذا استحال في الأذهان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية