ما أغلاك يا زبالة!
منذ نحو عام ونصف كتبت مقالاً نشرته «الاقتصادية» بعنوان «نور من روث الحيوانات» تحدثت فيه عن تجربة خاصة في مجال الاستفادة من روث الحيوانات في توليد الطاقة الكهربائية والحرارية، والوفورات المادية الضخمة التي نتجت عن هذه المشاريع. والنتيجة الأساسية لذلك المقال أنه يمكن لأي مزرعة أبقار أن تولد الكهرباء اللازمة للمزرعة وما يحيط بها من روث البقر والحيوانات الأخرى. بكل بساطة، لقد أصبح روث الحيوانات ثروة، وأصلا من الأصول!
مقال اليوم، قريب من الموضوع السابق، ويتعلق بإنتاج الغاز من مكبات الزبالة وتوليد الكهرباء منه. فيمكن بسهولة استخراج الغاز من جبال الزبالة المنتشرة في البلاد العربية كافة، ويمكن استخدام هذا الغاز إما في توليد الكهرباء أو التسخين في المعامل والمنشآت، والآن حصل تطور جديد حيث يمكن استخدامه كوقود للسيارات. (قبل أن ينتقد بعض القراء استخدام لفظة «زبالة» أقول بإنني تأكدت عند كتابة هذا المقال من أنها كلمة عربية فصحى) وهناك فرص استثمارية ضخمة في مجال استخلاص الغاز من المكبات في العالم العربي، خاصة أن المدن العربية تنتج كميات هائلة من النفايات تكفي لإنتاج كميات كافية من الغاز لتسيير عدد كبير من المصانع وإنارة آلاف البيوت. إلا أنه من المؤسف أنه لم يتم استغلال هذا المصدر الحيوي حتى الآن، رغم أن دراسات جدوى هذه المشاريع تشير إلى نجاح هذه المشاريع في جميع أنحاء العالم، حيث يحصل المستثمر على عائد مجز في الوقت الذي يقدم فيه للمجتمع فوائد جمة. فإنتاج الغاز من مكبات الزبالة لا يحقق عائداً مجزيا للمستثمر فقط، وإنما يسهم في تنظيف البيئة ويسهم في تخفيف ابنعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ما أغلاك يا زبالة!
لقد أصبحت «الزبالة» ثروة! وقبل الخوض في بعض التفاصيل، لابد من ذكر حقيقتين مهمتين يجهلهما كثير من الناس. الأولى أن عصابات المافيا كانت تسيطر على عمليات جمع الزبالة في الولايات المتحدة وتصارعت مع بعضها بشكل كبير للسيطرة على هذا القطاع، وجنوا من ورائها مليارات الدولارات على مدى سنين طويلة حتى تم تفتيت هذه العصابات. الحقيقة الثانية هي أن كمية إنفاق كثير من الدول للتخلص من «الزبالة» هائلة بكل المقاييس. فتكاليف التخلص من الزبالة في الولايات المتحدة للفرد هي أعلى من تكاليف أكله وشربه، أو تكاليف أي خدمات يحصل عليها. إضافة إلى ذلك، فإن تكاليف بناء مكب واحد من الحجم المتوسط تتجاوز نصف مليار دولار. ما أغلاك يا زبالة!
استخراج الغاز من الزبالة
هناك مئات المشاريع في أنحاء مختلفة من العالم والتي يتم فيها استخراج غاز الميثان من مكبات الزبالة، والاستفادة منه في توليد الكهرباء في محطات الكهرباء المجاورة، أو في التسخين المباشر للماء وغيره في المصانع المختلفة. ويتواجد في الولايات المتحدة آلاف المكبات، إلا أن هناك نحو 500 مكب فقط يتم استخراج الغاز منها والاستفادة منه. وآخر مكب قمامة زرته كان في مدينة أتلانتا الأمريكية والذي يقوم بإمداد مصنع لأغذية الحيوانات الأليفة بالغاز اللازم لطبخ أطنان من هذه الأغذية يوميا، وكان سابقا يمول محطة الكهرباء المجاورة بالغاز.
ونظرا لأن استخدام الميثان المستخرج من الزبالة، والذي يمكن في هذه الحالة تسميته تجاوزاً «غاز الزبالة»، يعد مكسبا للجميع، فقد انتشر استخدام الغاز من المكبات بشكل كبير في السنوات الأخيرة. و أذكر هناك كلمة «الجميع» لأن المنتج (صاحب المكب) يحصل على عائد إضافي ما كان في حسبانه أنه سيحصل عليه، والمستهلك (مشتري الغاز الذي ينتجه المكب) لأنه يحصل على غاز رخيص جداً، والمجتمع لأن انبعاث هذه الغازات مدمر للبيئة، وأحد الأسباب الأساسية للانفجارات والحرائق في مكبات القمامة. وهناك إجماع بين الخبراء على أن الحرائق الضخمة في مكبات القمامة، والتي يصاحبها انفجارات ضخمة أحيانا، كان سببها الغاز المحصور في هذه المكبات. كما أن هناك إجماعا بين العلماء على أن غاز الميثان أخطر على البيئة من غازات الكربون بنحو 20 مرة.
وتستخدم عشرات الشركات في الولايات المتحدة الغاز المنتج من مكبات الزبالة إما للحصول على الحرارة مباشرة من حرقه أو من خلال تحويله إلى كهرباء. الملاحظ أن أغلب الشركات هي من الشركات الكبرى، خاصة من شركات السيارات مثل بي إم دبليو ورولز رويس وفورد وكرايزلر، إضافة إلى شركات مشهورة مثل هنيويل، أونز كورنينج، إس سي جونسون، سونوكو. و لعل أشهر المستخدمين لهذا النوع من الغاز هو وكالة ناسا. ويذكر أن نحو 12 في المائة من الكهرباء التي تولد من الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة تأتي من الغاز المستخرج من مكبات الزبالة (ملاحظة: هذه النسبة تفترض أن المياه المولدة للكهرباء لا تعتبر من ضمن الطاقة المتجددة).
تحويل «غاز الزبالة» إلى وقود للسيارات
استخراج الغاز من المكبات واستخدامه ليس جديداً، واستخدامه في السيارات كوقود ليس جديداً، واستخدامه في سيارات نقل القمامة كوقود أيضا ليس جديداً، الجديد الآن هو تحويل هذا الغاز إلى غاز مسال واستخدامه كوقود في سيارات نقل القمامة التي تسير بالغاز المسال! ففي ولاية كاليفورنيا يوجد مصنعان يقومان بتحويل الغاز المستخرج من المكبات إلى غاز مسال. وتم افتتاح أحدهما في الفترة الأخيرة حيث بدأت شركة ويست منجمنت، وهي من أكبر شركات جمع الزبالة في العالم، باستخدام الغاز المسال المنتج من غاز مستخرج من مكب للنفايات بالقرب من مدينة ليفرمور في 300 شاحنة من شاحناتها التي تستخدم في نقل الزبالة. ويتم تحويل الغاز إلى غاز مسال في مصنع بالقرب من المكب تملكه شركة ليند نورث أمريكا، والذي تبلغ طاقته الإنتاجية 13 ألف جالون من الغاز المسال في اليوم. ويعد هذا المصنع الأكبر من نوعه في العالم. ويعد الغاز المسال المستخدم في السيارات التي تستخدم هذا النوع من الوقود من أنظف أنواع الوقود في العالم. للتوضيح فقط، الحديث هنا عن سيارات تسير بالغاز المسال، وليس بالغاز، وبينهما فرق كبير.
الخلاصة
رغم الدعم الحكومي الكبير للعديد لما يسمى بـ «مصادر الطاقة البديلة والمتجددة»، إلا أن أكثرها نجاحاً هي مشاريع تحويل روث الحيوانات والغاز المستخرج من المكبات إلى طاقة. هذه المشاريع ليست مربحة مالياً فقط، إلا أن إيجابياتها الاجتماعية والبيئية أكبر بكثير من أي من مصادر الطاقة البديلة والمتجددة. وعلى سبيل النكتة، والتي قد تصبح حقيقة، يمكن لأحدهم أن يقول أثناء عرس ابنه إن الإضاءة المستخدمة في العرس أتت من مخلفات أكل عرسه منذ 25 عاما مضت!







19 تعليق
مقال ثري، شكرا لك .
بس وين العقول الي تديرها صح
ما أغلاك يازبالة ... كنت أتوقعها مزحة
مقال مفيد ماتع طريف
ليتك توضح لنا الفرق بين الغاز والغاز المسال
لموضوع مهم جدا وشكرا للكاتب على تسليطه الضوء عليه. والمقالة عالجته بصورة سريعة وفقا لمقتضيات الكتابة الصحفية وهي تاتي متزامنة مع قمة الطاقة المتجددة في ابو ظبي وثمة دراسات عدة في الدول العربية بهذا الموضوع لكن للاسف لم تطبق اي منها. ورغم النفايات الهائلة التي تنتشر في كل مدينة والمعاناة التي تعانيها الجهات المعنية للتخلص منها فلم يتمكن العرب من تحويل تلك الزبالة الى امر مفيد . واذا حسبنا المنافع والمضار فسنجد ان المنافع لاحصر لها . آمل أن نستفيد من تجارب الدول المتطورة في هذا المضمار .
يمكن استخدام المخلفات المنزلية في مصانع الحديد والصلب والاسمنت وغيرها لاستهلاكها كمية هائلة من الطاقة الكهربائية والغاز.
شكرا لك دكتور أنس
لعل الامانة ان تستفيد من هذه التجارب العالمية
وهى التي تلوث البيئة بحرق النفايات يوميا
روعة دكتور أنس....
كعادتك.. مقالك: يحمل فكرة جديدة.. مفيد... واضح.... سهل.... ممتنع.
بارك الله فيك وفي قلمك... ونفع بك... وجعل ما تقدمه لأمتك في ميزان حسناتك.
اتذكر على طريق جدة ثول كانت هناك شركة لتدوير النفايات الطبية
اتمنى ان تقوم البلديات بوضع عدة صناديق ملونة كل لون يدل على صنف لون للبلاستيك ولون للورق ولون للمعادن ولون لبقايا الاطعمة وما في حكمها بحيث بسهل الفرز ومن ثم التدوير
طبعا اقصد ان تستثمر البلديات (الزبالة) وذلك بترسيتها على متعهدين
شكرا د انس
أهلا دكتور أنس
أتذكر الموضوع السابق، وقد قرأت موضوعك اليوم اللافت اليوم خاصة أنه يتناول مسألة توفير الطاقة من مصادر أخرى غير الثروات في باطن الأرض. وأما كون "الزبالة" ثروة، فإن ما يؤكد ذلك وجود شريحة من البشر في القاهرة على سبيل المثال تعيش على جمع الزبالة وفرزها وإعادة تدويرها بشكل بدائي. وكان الفنان محمود يس قد برز من خلال دوره كحوت من حيتان تجارة الزبالة بعد أن فشل في أن يستثمر نفسه كإنسان متعلم، ... كان ذلك من خلال فيلمه الذي يحمل اسم "انتبهوا أيها السادة" إن لم تخني الذاكرة.
أهلا بأهل الأفكار: دائما إذا كانت الأفكار صحيحة= وتحول لواقع ملموس: ينتج عنه وظائف وأرباح.
س/ هل أدرك البعض لماذا أقول: أن العمل في السعودية يحتاج لأفكار جديدة ؟؟
ما اقترحه الكاتب: من الأفكار. الذي سوف يفتح وظائف وأرباح وصحة للبيئة !!
خطيييير يا دكتور
مايميزك عن غيرك اسلوبك الفذ والمليئ بالمعلومات المفيدة والجديدة
دمت لنا
لك كل الشكر والتقدير,, مقال فريد من نوعه بكم المعلومات التي اظن ان الغالبية العظمى لم تكن تعرفها,,,, راائع بحق...
رائع كعادتك رعاك الله بعطفه ولطفه
معلومات جديده ومفيده
الله يزيدنا وياك علماً نافع
مشكور على طرحك المقال الثري بالمعلومات القيمه
شكرا لك يادكتور أنس على هذه المقاله وأتمني لك التوفيق من كل قلبي
مقالك رائع وفيه فرص استثمارية لرؤوس الأموال المتسابقين لأية أفكار إستثمارية جديدة والسؤال : ما الذي يمنع المستثمرين من انتهاز فرص الإستثمار في هذا المجال المربح والمجزي كما ذكرت في مقالك , هل هو الوعي أم الجرأة أم المافيا أم ....
كم نفتخر يوجود امثالك في حياتنا دكتورنا الفاضل وهذا ليس غريباً عنك
وكم نتمنى ونحلم أن يتعاون معكم مسؤولي الدولة للإستفادة من خبراتكم وعلمكم بدل اللجوء إلى الشركات الاجنبية والخبراء الاجانب الذين يكلفون الدولة مبالغ طائلة ومسؤولية وتأمين على حياتهم
وعندنا من هم أفضل ويكفينا فخر أنهم مسلمين
دمت أخي الفاضل وزادك الله علماً ورفعة وشأناً
أسعد الله أوقاتك وأدامك ذخراً وفخراً لما تقدمه من مواضيع في غاية الأهمية والكل ساه عنها أتمنى من الله العلي القدير أن يوفقك ويرفع كلماتك وينصرك وجعله الله في ميزان حسناتك
هذا المقال تحديدا لا استطيع ان اقول سوى انه
كنز مفقود واذا كانت هناك عقول تستطيع استثمار الفرص
فعليها بقراءة هذا المقال
شكرا يادكتور