تقرير ديوان المراقبة العامة كشف لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين عدة مخالفات جوهرية ومؤثرة في إدارة المال العام كانت وراء تأخر تنفيذ عديد من المشاريع الحكومية وتعثر بعضها وتدني جودة التنفيذ في البعض الآخر، فقد ركز التقرير عن السنة المالية الماضية 1428/1429هـ على ضعف المتابعة الجادة والتساهل الواضح في تطبيق أحكام عقود المشاريع الحكومية المسندة إلى شركات ومؤسسات من القطاع الخاص، كما أن ضعف الرقابة الداخلية السابقة والوقائية في كثير من الأجهزة الحكومية كان سببا رئيسا في إهدار أموال عامة مخصصة لمشاريع حكومية في مرافق عامة يستفيد منها بصورة مباشرة المواطن والمقيم.
لقد جاء تقرير ديوان المراقبة العامة بالكثير من الشفافية والإفصاح عن جذور مشكلة إدارة المال العام، وأكد التقرير حقيقة طالما كانت غائبة وهي أن ضعف المرافق العامة في الإشراف والمتابعة على تنفيذ المشاريع أدى وسيؤدي إلى مزيد من الإهدار والتضييع للأموال العامة ومعها سوء في الخدمات العامة وضعف في إنجاز أهداف خطط التنمية وانعكاس سلبي على أداء المرافق العامة الذي يجب أن يتزامن ويتطور مع زيادة السكان وتحسن الجودة وتوسيع نطاق الخدمات العامة، وهو في نهاية المطاف مرفوض من جميع الجوانب، ولعل مضمون الرفض واضح في مصارحة ديوان المراقبة العامة لولاة الأمر والرأي العام بحقيقة ما وقف عليه من مخالفات حكومية.
إن أول خطوة نحو حل أي مشكلة هو الاعتراف بها وكشفها للملأ الخاص والعام، وهذه الخطوة فيها رسالة إلى المسؤولين عن إدارة المال العام ووضع الأمور في نصابها الصحيح وخلق معادلة المحاسبة والمسؤولية تمهيدا لمعالجة فاعلة تتجاوز تحديد أسباب المشكلة، ولكن المحاسبة في حالة لم يتم تفادي تلك المخالفات باعتبارها موجبة للمسؤولية، فالمواطن يريد أن يرى تنفيذا بجودة عالية للمشاريع وله الحق في ذلك، فالدولة لا تريد تفادي أي إحراج ولكنها تريد أن يتم تحديد المشكلة بدقة ثم توجيه رسالة في غاية الوضوح ثم الانتقال إلى تفعيل الجزاء القانوني والإداري سواء على الأشخاص المباشرين في المرافق العامة أو المتعاقدين مع تلك المرافق لتنفيذ مشاريعها.
ولعل ما ورد في التقرير يحرك بعض المرافق العامة للتعاون مع ديوان المراقبة العامة لتفادي تلك المخالفات، فالديوان يوجه في كل مخالفة يجدها رسالة خطية للمسؤولين في الجهات الحكومية عن تلك المخالفات ويطلب تصحيحها أو تفسيرها وفق أنظمة وتعليمات الميزانية العامة، كما أن الشركات التي تنفذ بعض المشاريع الحكومية أصبحت تحت نظر كل من يشاهد التنفيذ الرديء لتلك المشاريع ولا يجد سببا واضحا لكل تلك الرداءة سوى الإهمال في إدارة المال العام والذي أجاب عليه تقرير ديوان المراقبة العامة.
إن الوقت له أهميته فهناك مخالفة ذات عنصر زمني هي عدم تقيد بعض الأجهزة الحكومية بالأنظمة في تحديد المدد القانونية لرفع التقارير أو الإفادة عنها للديوان، وكذلك رفع الحسابات في مواعيدها، كما أن ضعف التحصيل وعدم فعاليته يلحق خسائر مالية بموارد الدولة والخزانة العامة أو عدم توريدها في مواعيدها، ولذلك نتائج غير سارة وهي مخالفة قانونية تتم بطريق الإهمال والتراخي عن أداء واجب تحصيل حقوق الخزانة العامة.
إن المخالفات في إدارة المال العام إذا أهملت فإنها تورث مشكلات مقبلة وتلقي على خزانة الدولة بأعباء مادية وإدارية تتطلب معالجة فاعلة رغم مضي فترة زمنية طويلة، ولكن لأن تعثر المشاريع وضعف الرقابة لا يمحوه الزمن ومعها لا يمكن التصحيح إلا باعتراف بالمخالفات وتسميتها باسمها الصحيح وفتح المجال للمحاسبة والمسؤولية، وهو الطريق الموصل إلى الترشيد والإرشاد في إدارة النفقات العامة لتحقيق مردودها على الوطن والمواطن والمقيم، وهو غاية لنا جميعا سنحققها بالشفافية والمصارحة والمحاسبة.
