هناك الكثير في مختلف دول العالم ممن كان يتوقع النهاية السريعة لأحلام الصين في الاستمرار بالنهوض الاقتصادي والتطلع لأن تكون من الدول العظمى في المستقبل المنظور, فالبعض كان يرى في ظاهرة النمو الاقتصادي الصيني الكبير واللافت على أنه فقاعة اقتصادية لا تختزن في داخلها مقومات البقاء والصمود بفعل ما يحيطها من ظروف داخلية غير واضحة وأمور خارجية غير مساعدة. وجاءت الأزمة الاقتصادية العالمية التي نظر إليها البعض على أنها الصدمة الكبرى أو المطب الاقتصادي العظيم الذي سيعجل من نهاية التجربة الصينية أو على الأقل يدخلها في مرحلة تباطؤ شديد مما سيثير عوامل عدم الاستقرار الداخلي والتي بدورها ستتكفل بإنهاء هذه التجربة. فالصين في نظر هؤلاء حتى وهي في قمة نشاطها الاقتصادي تفتقر إلى البيئة الاقتصادية المنظمة التي تضمن تحول هذا النشاط الاقتصادي إلى نهضة اقتصادية وتنموية حقيقية.
في مقابل هذا الرأي المشكك في قدرة الصين على الاستمرار في نموها الاقتصادي والتقدم بسرعة لتبوؤ موقعها القيادي في الساحة العالمية, هناك من يرى وبقناعة قوية أن الصين قادمة وبقوة وأنها لا تحبو نحو زعامة العالم بل تهرول إليها. فها هي تخرج من الأزمة الاقتصادية بأقل الخسائر والأضرار ويتوقع لها أن تحقق نسبة 9 في المائة من النمو لاقتصادها وهي النسبة التي تعني معاودة النشاط والعافية للاقتصاد الصيني, وها هي الصين في أثناء الأزمة كان لها دور مهم وحيوي في مساعدة العالم للخروج من أعظم أزمة اقتصادية يمر بها في التاريخ, فلقد كان للاحتياطيات النقدية الصينية الضخمة دور كبير في مساعدة دول عظمى مثل الولايات المتحدة على إنقاذ بنوكها ومؤسساتها المالية وشركاتها الصناعية المنهارة. بل أتاحت الأزمة الاقتصادية الفرصة للصين لوضع يدها وامتلاك بعض الشركات الصناعية الكبرى في الدول الغنية، وهذا الأمر سيوسع من قاعدة استثماراتها في الولايات المتحدة والدول الأخرى ويقوي من مكانتها التنافسية في السوق العالمية مما سيجعلها أكثر حضورا اقتصاديا بعد الأزمة مقارنة بما قبل الأزمة.
صحيح أن الصين ما زالت في مرحلة تحول اقتصادي واجتماعي وأنها تحقق قفزات وبالأخص في المجال الاقتصادي ولكن هذا التحول أيضا يكشف عن قابلية ذاتية لدى الصين تؤهلها لأن تكون دولة عظمى وقيادية, فالصين وبالرغم من كثرة شعبها واتساع مساحتها الجغرافية ووجود تنوع عرقي في أصول شعبها إلا أن الثقافة الصينية استطاعت أن تنتج درجة من الاستقرار الاجتماعي ما مكن الصين كدولة أن تنجز خططها الاقتصادية. فالاستقرار الاجتماعي من الأمور المهمة لاحتضان التنمية الاقتصادية والثقافة لها دور كبير في إنتاج مثل هذا الاستقرار. وكان هناك تخوف من أن يتسبب هذا النمو السريع في الاقتصاد في زعزعة هذا الاستقرار الاجتماعي لأنه كان انتعاشا اقتصاديا اختصت به المدن على حساب الريف الصيني بشكل كبير ولكن استمرار وتيرة هذا النمو وتنبه القيادة الصينية لهذا الأمر مكن المجتمع الصيني من تجاوز هذه الإشكالية أو على الأقل تخفيف وطأتها.
في البداية وعندما كانت الصين تحقق أولى خطواتها في مشوار نهضتها الاقتصادية كان الكثير ينظر إلى مثل هذا التطور الاقتصادي على أنه عملية محدودة لأن محركه الرئيسي هو انتقال بعض الشركات الغربية الباحثة عن العمالة الصينية الرخيصة، وبالتالي فهو نمو اقتصادي بفعل الشركات المهاجرة, ولكن مع مرور الزمن أثبتت الصين أن ما عندها لتقدمه لهذه الشركات أو بالأحرى الاستثمارات الخارجية هو أكثر من مسألة عمالة رخيصة, فتطور التعليم والتدريب في الصين أوجد في الصين طبقة من العلماء والمخترعين والمهندسين والفنيين مما مكن الصين من احتضان هذه الشركات وأن تستوطن ما جاءت به هذه الشركات من تقنيات بل استطاعت أن تفعل من دور جامعاتها في إنشاء مختبرات وحواضن للتقنية لإنشاء صناعتها التقنية المتطورة الخاصة بها. ومن العوامل الأخرى المهمة التي ساعدت الصين على نهضتها الاقتصادية وستعينها في المستقبل على تفعيل دورها القيادي في العالم هو نهجها السياسي في التعامل مع قضاياها الخلافية مع العالم الخارجي, فلقد استطاعت الصين أن تنتهج إدارة متعقلة للقضايا الخلافية بالشكل الذي يضعها في إطارها الوطني ومن غير أن تعرقل تعاملها وتعاونها مع الدول الأخرى, فعلاقة الصين مع أمريكا واليابان وأوروبا وآسيا ودول شرق آسيا علاقات مشاركة اقتصادية تتضمن في الوقت نفسه أدوات حوار متواصلة حول القضايا المختلف عليها.
أخيرا لا يعني هذا الكلام أن الطريق سيكون ممهدا للصين لمواصلة مسيرتها التنموية حتى تكون من الدول العظمى للقرن الحالي من غير أن تكون هناك معوقات وتحديات تعترض طريقها, فبناء الصين لنفسها كقوة عظمى ما زال في حاجة إلى الكثير من التغيرات الداخلية وبالأخص في هيكلة الدولة إداريا لتتمكن الصين من معالجة الكثير من النتائج السلبية لنموها السريع, فتطور الصين بمقدار ما يتطلب استمرار نموها الاقتصادي يتطلب أيضا أن يكون هذا النمو في إطار أقل من الأضرار البيئية والاجتماعية وأكثر استجابة مع تطلعاتها المستقبلية.
