تعثر بعض المشاريع التنموية التي تشرف عليها جهات حكومية معنية بتنفيذها, وصل إلى درجة اضطرت معها تلك الجهات إلى تتبع تلك المشاريع وسحبها من الشركات المنفذة لها، ولا شك أن هذا الإجراء لم يتخذ إلا بعد أن وجدت تلك الجهات أنه لا أمل في معالجة تعثر هؤلاء المقاولين وعجزهم عن تنفيذ تلك المشاريع التي سلمت لهم, وهنا يطرح السؤال نفسه: هل مشكلة التعثر ترجع إلى سوء اختيار المقاول أم إلى أسباب أخرى؟ فالواقع يؤكد أنه عندما يبدأ العمل في تنفيذ أي مشروع تنموي مثل إنشاء مدرسة أو مستشفى أو شبكة للمياه أو طريق, فلا يكاد العمل يبدأ في المشروع لشهور أو أسابيع حتى يتوقف, ويصبح الموقع خاليا من العاملين في تنفيذه, ويبقى المواطنون ينتظرون أن يعود المقاول للعمل, لكن المقاول لا يظهر وتبقى معداته وبقايا أدوات العمل مهملة في الموقع, ويتعطل المشروع الذي طالما انتظره المواطنون سنين عديدة, ويبقى وقت إنجازه في حكم المجهول.
إن الطريقة التي تتم بها ترسية المشاريع تحتاج إلى مراجعة, خصوصا عندما تكون النتائج تحتم ذلك، فالمراجعة الشاملة خير وسيلة لمعرفة قلب المشكلة والعمل على التغلب عليها، فالنظام يجيز فعلا أن يعطي المقاول المعتمد تنفيذ العقد إلى مقاول من الباطن مع بقاء مسؤوليته, ورغم جواز ذلك نظاما إلا أنه فتح الباب أمام كبار المقاولين والشركات المصنفة تصنيفا جيدا للفوز بالمشاريع ثم ترسيتها على مقاول بسعر أقل مما حصلوا عليه وهكذا إلى أصغر مقاول يقبل بالسعر الذي يفرض عليه ولا تسأل بعد ذلك عن الجودة في العمل والمواد المستخدمة أو الوقت الذي يستغرقه التنفيذ, بل إن أولئك المقاولين من الباطن معظمهم غير مصنفين ولا يستطيعون الحصول على أي مشاريع مهما صغرت بسبب ضعف إمكاناتهم, وإذا كان هذا مشاهدا فلماذا تقبل الجهات الحكومية تصرفات المقاولين وتسمح بهذا التنازل الذي ينسف الالتزام من أساسه فلا يبقى سوى على الأوراق والمستندات لمن يرغب في الانسياق خلف فكرة المقاول من الباطن التي يدفع فاتورتها الوطن والمواطن.
لذا يجب أن تضع الجهات الحكومية حدا لمثل هذه الممارسات التي عطلت مشاريع التنمية أو أدت إلى تنفيذها بصورة سيئة وبمواصفات أقل جودة, وفي كلتا الحالتين, فإن الخاسر هو الوطن والمواطن الذي يتلقى الصدمة ويحرم من الخدمة بعد صبر طويل, وهو يشاهد أمام عينيه نماذج ناجحة مثل إنشاء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية, وإنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية, فهما نموذجان تم التعامل معهما بأسلوب مختلف تماما يضع في الاعتبار التخلص من القيود الروتينية غير المفيدة ويستبدلها بضوابط الإشراف والمتابعة وتحديد الشركة الملتزمة دون قبول تحويل التزامها, مع توفير مصادر الدعم المالي حتى لا يضطر المقاول إلى اللجوء للاقتراض من البنوك والمرور بمشكلة توفير السيولة النقدية.
إن المطلوب أن تستفيد الجهات الحكومية من الطريقة التي تنفذ بها شركة أرامكو والهيئة الملكية للجبيل وينبع مشاريعها حتى تأتي مشاريع التنمية بالمستوى الذي يتطلع إليه ولاة الأمر, والاستفادة من الشركات العالمية ذات الخبرة الواسعة في بناء المستشفيات والطرق والمدارس والمطارات والموانئ, فالشركات والمؤسسات الوطنية تعاني البطء في الحصول على التأشيرات لاستقدام العمال, ما جعل المقاولين عاجزين عن الوفاء بالتزاماتهم بسبب نقص العمالة، إضافة إلى محدودية شركات المقاولات الوطنية المؤهلة, ولذا, فإن بعض المشاريع تطرح ولا تجد من يتقدم لتنفيذها نتيجة محدودية الشركات وإحجام البنوك عن تقديم قروض للمقاولين.
إن علاج هذه المشكلة بما لها من تأثير في التنمية, يتطلب ضرورة إعادة هيكلة قطاع المقاولات ووضع خطط استراتيجية لرفع كفاءة شركات المقاولات الوطنية القادرة على تنفيذ المشاريع الكبيرة, والأهم من هذا وذاك أنه يجب إعادة النظر في اختيار المقاولين الذين يتولون تنفيذ مشاريع التنمية على أساس الكفاءة وليس السعر.
