هل سينتهي اقتصاد وعود الدفع؟

|
ما يميز الاقتصاد المالي المعاصر أنه مبني على الوعود المالية المتمثلة في الائتمان، سواء من خلال نظم تلقي الأموال، كما في الجهاز المصرفي الذي يعد الركيزة الأساسية لإيداع الجمهور الأموال لديه وهو الوعد الصادر منه بدفع ودائعهم عند الطلب في الحسابات الجارية، وعند الاستحقاق عند الحسابات الاستثمارية، وفي جانب توظيف هذه الأموال (أي منح الائتمان) يقوم الجهاز المصرفي بقبول وعود الدفع أو التسديد من العملاء مقابل التمويلات التي يمنحها وفقاً للضوابط الائتمانية من الضمانات وشروط الائتمان الأخرى. وعبر الاقتصادي الشهير والحائز جائزة نوبل للاقتصاد بأنها وعود دفع مقابل لا شيء، وهذه العبارة لافتة للانتباه وهو يقصد بها مقابل التوقعات المستقبلية غير المضمونة، وعلم التوقعات الآن بعد حدوث الأزمة أصبح مليئا بالشكوك بالرغم من الأناقة الرقمية والإحصائية عالية الجودة التي يتمتع بها، ما جعل أحد الاقتصاديين يقول إنه ''لا يعرف عددا كثيرا من الناس جمعوا ثروات بناء على التوقعات الاقتصادية، وإنما يعرف كثيرا من الناس جمعوا ثروات من بيعهم للتوقعات الاقتصادية''. إن خطورة منظومة وعود الدفع تكمن في تنميتها لسلوك الوعد والالتزام بناء على التوقعات بدلا من سلوك الاستناد إلى النتائج الفعلية والتقاسم بناء على ذلك وبدلا من تحمل المخاطر بشكل عادل بين أطراف العلاقة، وينمى سلوك الملائمة المالية بدلا من سلوك الجدوى الاقتصادية وتنمية الإبداع . كل ذلك يجب أن ينظر إليه كظاهرة كلية إذا أردنا تقييم الواقع الذي مهد لحدوث الأزمة المالية وهو اقتصاد وعود الدفع المنتشر في الممارسات المالية، حتى إن دراسات الجدوى الاقتصادية شوهت بهذا السلوك من خلال ما يعرف بالقيمة الحالية للمبالغ المستثمرة التي تستند إلى سعر الفائدة كالتزام مالي . ويبدو أن الأزمة المالية كشفت أن اقتصاد وعود الدفع لا بد له أن ينتهي تدريجيا لما يحمله من تضليل لواقع الاقتصاد الحقيقي الذي هو هدف المجتمعات الاقتصادية النهائي . لذلك يجب أن تستبدل ثقافة وعود الدفع بثقافة المشاركة والمقاسمة المبنية على الإنصاف لأنها تكشف حقيقة العمليات المالية لتلبية وظيفتها الاقتصادية.
إنشرها