الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

ذات يوم علق الممثل الهزلي العبقري البريطاني سبايك ميليجان قائلاً إنه يود لو تسنح له الفرصة ليكتشف أن المال ما كان ليجعله سعيداً.

ويقال إن رابحي جوائز اليانصيب الكبيرة تنتهي بهم الحال إلى البؤس، رغم أن الأبحاث من واقع الحياة تشير إلى أنهم سعداء مثلهم كمثل أي شخص يجد بين يديه شيكاً بمليون دولار. ولكن المال رغم ذلك قد يؤدي إلى جميع أشكال المشاعر الأخرى ـ مثل الغضب على سبيل المثال.

وكان ذلك إلى حد كبير ما شعر به أغلب الناس إزاء القصص عن مكافآت المصرفيين، حين اكتسح الانهيار العظيم في 2007/2008 البنوك، والمؤسسات، ومدخرات حاملي الأسهم، والنمو، والوظائف. وكان هناك نوع من التباين بين ما يحصل عليه المصرفيون من أجور ومكافآت وتعويضات وبين ما خسرته بنوكهم، كما اعترف أحد المصرفيين بقدرٍ من اللباقة. في كتابه الرزين الأخير ''فكرة العدالة''، يلاحظ أمارتيا سِن الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد أن أغلبية الناس يدركون أن أي عملية لن تكون عادلة إلا باستكشافها للصلة بين الجهد والمكافأة. والواقع أن المصرفيين فشلوا فشلاً ذريعاً في هذا الاختبار.

لقد كظمنا غيظنا، ومن أجل مصلحة اقتصاد أوطاننا بادرنا إلى دعم حكوماتنا في إنقاذ البنوك بالاستعانة بأموال عامة. وكانت عملية الإنقاذ تلك ضرورية لتجنب الكارثة الاقتصادية، رغم ما أثارته من غضب.

وإزاء تعميم خسائر البنوك بعد أن شهدنا خصخصة مكاسبها، اشتعل غضبنا مرة أخرى حين نما إلى علمنا أن البنوك التي سارعنا إلى إنقاذها عادت إلى ممارساتها الرديئة السابقة. والحق أن ما نشهده الآن من تصرفات غير لائقة من شأنه أن يرفع ضغط الدم ويثير الدهشة العميقة. فكيف وجد القائمون على هذه البنوك في أنفسهم الجرأة للعودة إلى ما كانوا عليه؟

ولكن لا ينبغي لنا أن نسمح لهذه المشاعر بالتحول إلى حديث صاخب مُغرِض ضد الثروة الشخصية. ففي بعض الأحيان يستخدم أصحاب الثروات الشخصية أموالهم بكميات سخية من أجل تحقيق المصلحة العامة. ويحضرني في هذا السياق اثنان من أعظم محبي الخير في العالم الآن، جورج سوروس ومو إبراهيم.

لقد استخدم جورج سوروس، المستثمر الذي حقق نجاحاً هائلاً، قسماً كبيراً من ثروته الشخصية لإنشاء معهد المجتمع المفتوح، الذي ساعد على دعم الثورة الديمقراطية في أوروبا الوسطى والشرقية والضغط من أجل حماية حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم.

أما مو إبراهيم فهو واحد من أبرز أصحاب المشاريع في إفريقيا. فقد شيد إمبراطورية تجارية على التكنولوجيا، والبرمجيات، وخدمات الاتصال المتنقلة. ولقد أسس إبراهيم صرحاً الغرض الرئيس منه الارتقاء بمعايير الحكم في إفريقيا. ومن المؤكد أن القارة بالكامل لا بد أن تلتفت إلى هذه التجربة.

إن إفريقيا التي تؤوي نحو مليار إنسان في أكثر من 50 بلداً قارة خربها الفقر ومزقتها الحروب. ويؤكد خبير التنمية الاقتصادية بول كولير من جامعة أكسفورد أن 75 في المائة من أفقر فقراء العالم يعيشون في بلدان خرجت بالكاد أخيرا من صراعات أو ما زالت تخوض صراعات. وأغلبية هذه البلدان في قارة إفريقيا. وفي هذه البلدان يبدو إشعال انتفاضة في بعض الأحيان أسهل من تأسيس عمل تجاري.

فغينيا التي تحكمها طغمة عسكرية بغيضة أصبحت على حافة الكارثة. وفي السودان لم يُحَل النزاع في دارفور حتى الآن، كما عادت الانقسامات بين الشمال والجنوب إلى تهديد السلام من جديد، مع وعد بإجراء استفتاء على استقلال الجنوب في عام 2011. وفي الصومال يتكدس مئات الآلاف من النازحين في المخيمات، حيث يهيمن أمراء الحرب على الحكم. وتطول القائمة للأسف الشديد.

والأمر ليس أن إفريقيا تفتقر إلى الموارد أو القدرة على حكم نفسها كما ينبغي. وتشكل بوتسوانا مثالاً جيداً لما يمكن تحقيقه من إنجاز. وفي حين يتحمل المناخ والجغرافيا والماضي الاستعماري بعض المسؤولية عن البؤس الحالي، فإن القسم الأعظم من المسؤولية يقع على عواتق تلك الحكومات الإفريقية التي تصرفت على نحو بالغ السوء.

إن إبراهيم يريد استئصال الفساد، وترسيخ حكم القانون في كل مكان، وتعزيز بيئة السياسات القادرة على تشجيع المشاريع التجارية وتنميتها، ودعم دور المرأة في المجتمع. وهو يريد مكافأة أولئك الذين يؤيدون الديمقراطية التعددية، كما يناصر المجتمع المدني والصحافة الحرة، وتشارك مؤسسة إبراهيم فضلاً عن ذلك في مكافحة الانحباس الحراري العالمي بجدية.

وهو يشير أيضاً إلى أن أقل من 5 في المائة من إجمالي التجارة في إفريقيا تتولاها بلدان إفريقية. وهناك حجة قوية لصالح التكامل الاقتصادي الإقليمي في القارة، وإزالة الحواجز التجارية، وتقاسم منشآت البنية الأساسية مثل توليد الطاقة، والسماح بحرية الحركة للناس والسلع والأموال والوظائف. وتسعى بعض البلدان في شرق إفريقيا الآن إلى التحرك في هذا الاتجاه.

إن محبي الخير من أمثال مو إبراهيم وجورج سوروس أو بِل جيتس ووارن بافيت قادرون على استخدام ثرواتهم لجعل العالم مكاناً أفضل. وينبغي لنا ألا نسمح لسخطنا على المصرفيين بالتحول إلى هجوم على خلق الثروات. وفي حين لم يتمكن سبايك موليجان من الاستكشاف بنفسه، فإن المال قادر حقاً على جعل الناس أكثر سعادة، وإنتاج عالم أكثر عدلاً بفضل توفير قدر أعظم من الفرص للفقراء والمحرومين. ولا يسعنا إلا أن نأمل أن نتحرك في ذلك الاتجاه في عام 2010.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية