في أدبياتنا التربوية: (من علمني حرفا صرت له عبدا)، لكن الملك عبد الله بن عبد العزيز لم يُعلم الناس حرفا وحسب، وإنما قاد إلى شعبه وأمته قافلة من الجامعات تجاوزت الثلاثين جامعة في مساحة زمنية لا تتجاوز السنوات الأربع، توّجها بجامعة كاوست .. الجامعة التي بزغت على أحلام كل الطامحين من مختلف أصقاع الأرض، وأعلن انحيازه للعلوم والثقافة منذ إنشائه ورعايته وإشرافه على مكتبة الملك عبد العزيز العامة، وإنشاء أول مكتبة نسائية وأول مكتبة للأطفال في المملكة، وتأسيس ورعاية مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية بالدار البيضاء في المغرب، وتبنيه المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية، واستحداثه جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة، ونادي كتاب الطفل، والمشروع الثقافي الوطني لتجديد الصلة بالكتاب، ثم تبنيه ورعايته ودعمه الفهرس العربي الموحد بهدف تطوير البنى التحتية للمكتبات العربية، وتبنيه مشروع موسوعة المملكة العربية السعودية، ورعايته وتوجيهه لإشاعة ثقافة الحوار وخصوصا في مشروع الإسلام وحوار الحضارات ضمن أنشطة مكتبة الملك عبد العزيز العامة، وإنشاء مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين، وإنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، وصولا إلى إطلاقه مبادرة الحوار العالمي بين أتباع الديانات والثقافات، وهو ما جاء في حيثيات جائزة الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات (أعلم)، والتي حصل خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله - على نسختها الأولى تقديرا لما قدمه من دعم ورعاية مباشرة للمشاريع الثقافية والمعرفية والمعلوماتية المتنوعة في رعاية المكتبات والأعمال المعرفية وإقامة المشاريع الببليوجرافية والمهرجانات الثقافية ومشاريع الترجمة وغيرها.
وحينما تختار هذه الجائزة الوليدة فارسها الأول ليكون بمثل هذه القامة القيادية الكبيرة باهتماماتها وإنجازاتها الثقافية والعلمية، بكل ما فيها من الثراء والتنوع المعرفي .. فإنها تؤسس بذلك لمصداقيتها وعدالة حيثياتها، لأن أيّ منصف على امتداد ساحة الوطن العربي لا يُمكن أن يتجاوز هذا الرقم الصعب الذي حققه رجل الجامعات والمكتبات وعراب جامعة كاوست، وقائد الثروة المعرفية، وباعه الطويل في المنجز الفكري والثقافي والعلمي ليس على المستوى المحلي، وإنما في المشهد الثقافي العربي والدولي أيضا ، مما يجعل من حصوله على هذه الجائزة العربية عرفانا إقليميا ببصمته الخاصة والمتميزة وغير المسبوقة في الميدان الثقافي، وشهادة مدججة بقائمة طويلة من المنجزات التي هي اليوم ملء السمع والبصر، تسهم في بناء المعارف وإثراء العقول.
إن المسافة التي قطعها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في أبرز مشاريعه النهضوية، والتي كان ميدانها الأول (المعرفة والثقافة والحوار) أكبر من أن تختزل باستعراض ذلك الكم من المؤسسات العلمية والثقافية التي أنجزها - يحفظه الله - .. وهي التي اخضرت وأينعت واستوت على سوقها، وباتت تشكل إحدى أهمّ رافعات الوعي في الداخل المحلي وفي الإطار العربي، وامتدت عبر مشروع الترجمة لتحطم كل القيود والحدود الثقافية لتفتح الأفق على كامل مداه الكوني أمام كل متعطش للعلوم والمعارف، مستفيدة من هذا الانحياز الحضاري لمصلحة المعرفة، والذي شكل أبرز العناوين الرئيسة لمشروعه التنموي، القائم على ضخ وتبادل المعارف بين الشعوب والثقافات من منطلق أن الحكمة ضالة المؤمن، ما جعله رائدا استثنائيا في إعادة استنهاض الثقافة العربية من رقدتها، ودفعها للأمام بفكر مؤسسي لتأخذ مكانها اللائق في قيادة الرأي، وبناء أسس الوعي بين مختلف طبقات وشرائح المجتمع العربي، لإيمانه العميق بأن الأمة التي لا تستطيع أن تقدم نفسها من خلال ثقافتها ومعارفها .. فإنها لن تستطيع فعل ذلك بحضارتها الأسمنتية والمادية مهما بلغت، لأن معيار تقدم الأمم لا يُمكن قياسه لا بالمتر ولا بالدولار، وإنما بالوعي والمكتسبات المعرفية التي تفجر الطاقات وتبني العقول وتطلق الأفكار لتضع قدميها على أرض صلبة تؤهلها للتحليق عاليا في فضاءات العلم والمعرفة .. دون أن تخشى المزاحمة أو المنافسة، لأنها حينذاك ستكون في موقع المنتج الذي يحترم الآخرون منجزه ويبحثون عنه، لا المستهلك الذي ينتظر دوره لاستهلاك ما يُنتجه الآخرون حتى ولو لم تهضمه معدته.
