في وضع أشبه بوضع اليابان بعد الحرب، فإن النهضة الاقتصادية الهندية منذ عام 1991 بقيادة رئيس الوزراء، آنذاك، بي. في ناراسيمها راو، ووزير المالية، مانموهان سنج، رئيس الوزراء الحالي، رافقها فقدان للإرادة السياسية في توظيف، وفرض القوة الوطنية لتحقيق نتائج جيو استراتيجية في صالح البلاد.
إن الوضع الإقليمي القوي للهند في جنوب آسيا الذي نجم عن نجاح أنديرا غاندي، وهي الثالثة في ترتيب رؤساء الوزارات، منذ الاستقلال، في إنشاء دولة بنجلادش، بعد أن كانت تمثل الجزء الشرقي من باكستان في عام 1971، وضم جزر المحيط الهندي، وحل مشكلات ولاية سيكيم على حدود التبت، وأول تجربة نووية في عام 1974، يتعرض لحالة من الضعف الشديد في أيامنا هذه. وعلى الرغم من الديانة المشتركة التي هي الهندوسية مع نيبال، إلا أن وضعها يفيد أن من المحتمل أن تعود دولة تسبح في فلك الصين، كما فعلت بنجلادش، وسريلانكا التي ساعدتها الأنظمة التسليحية الصينية وعمل ذلك على انتصارها على نمور التاميل، حيث تضمن ذلك الطائرات المقاتلة. وعملت على بروز الصين في المنطقة، بعد عام 1971. وبعد ذلك برزت السعودية على النطاق الآسيوي، كما أن أفغانستان يمكن أن تبرز آسيوياً إذا انسحبت الولايات المتحدة منها في أعقاب ما يظهر عالمياً من ضعف في رئاسة الرئيس باراك أوباما.
لماذا تراجعت الإرادة السياسية للقيادة الهندية كقوة محركة للقوى الوطنية منذ عام 1991؟ كان ذلك هو العام الذي اغتيل فيه رئيس وزراء الهند، راجيف غاندي، سليل عائلة نهرو ورانديرا غاندي الذي كان يسعى إلى ولاية حكم ثانية. وكان راو الذي لا ينحدر من أسرة معروفة، والذي اختاره حزب المؤتمر زعيماً له، رئيس حكومة استثنائي، ولكنه ركز كل جهوده على تهدئة الأمور الناجمة عن كونه لا ينتمي إلى أسرة معروفة، وكذلك في سبيل المحافظة على الوحدة الإقليمية للأراضي الهندية، وما كان يتهددها من هجمات انطلاقاً من إقليم البنجاب في باكستان، وكذلك من متمردي كشمير، إضافة إلى كل القلاقل التي نجمت إثر تفكك الاتحاد السوفياتي بعد حربه في أفغانستان.
أما خلف راو، وهو أكثر رؤساء الوزارات في الهند استقراراً، فاجبايي، فقد عزز القوة الوطنية للهند بصورة خاصة، بعد أن وافق على إجراء التجربة النووية الثانية في عام 1998، ولكنه لم يظهر إرادة سياسية باتجاه الرد على التحركات الباكستانية المنطلقة من إقليم البنجاب، حيث سبق لرئيس الوزراء الهندي السابق، لال بها دور شاشتري، أن أمر بالحرب على باكستان في عام 1965. وكانت باكستان قد هاجمت منطقة كارجيل في عام 1999. وكذلك لم تتحرك القوات الهندية لكي تعبر الحدود إلى باكستان حين تمت مهاجمة البرلمان الهندي من قبل جماعات من المتمردين في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2001، وذلك بعد ثلاثة أشهر من الهجمات على مركز التجارة الأمريكي، ووزارة الدفاع الأمريكية. وكان يقال عن الدوام إن عدم وجود إرادة هندية واضحة لإبراز قوة الهند إقليمياً، يعود إلى ''الضبط'' الذي تفرضه حكومة الولايات المتحدة التي تكره أن تتخلى عن إرثها الاستعماري عن بريطانيا لصالح المستعمرتين السابقتين: الهند، وباكستان.
لكن الافتقار إلى الإرادة السياسية الهندية يتم الشعور به أكثر من أي شيء آخر في مواجهة صين مولعة بالقتال بصورة متزايدة، التي تزداد قوتها الوطنية بشكل فريد لكسب نتائج جيو استراتيجية مقبولة بفضل عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي بقوة الفيتو، لكونها دولة تملك أسلحة نووية وعضواً في معاهدة عدم الانتشار النووي، وكونها أسرع بلد نمواً يملك أعلى الديون الأمريكية ويمتلك المفتاح إلى تعاف اقتصادي أمريكي، وله قيادة استبدادية وهي تملك رؤية قوة كبيرة ذكية.
وعلى قدر ما تنكر الهند فإن الهزيمة الساحقة للقوات الصينية عام 1962 ما زالت تسيطر على أفكارها والقيادة الهندية لا تستطيع أن ترد أو تصد العدوانية الصينية بينما تحاول التغلب على ثورات اليوجور والتيبت مرة واحدة وإلى الأبد.
إن الإرادة السياسية الهندية المنهارة هي نتيجة قاعدة متضائلة لحزب المؤتمر، وعدم صلاحية حزب بهارتيا جاناتا ما بعد فاجيابي على تشكيل معارضة قوية من نظام حزبين، وصعود أحزاب إقليمية ومن سلالات حاكمة تتناسب قوتها وتأثيرها بشكل عكسي مع قوة وتأثير الحزبين الرئيسيين، حزب المؤتمر وحزب بهارتيا جاناثا والافتقار إلى رعاية جيدة لتنشئة الطبقة الأقدم من القادة الوطنيين عبر الهند.
والأمر البالغ الأثر أنه رغم كل مزايا الأصل والنسب، فإن رهول، ابن راجيف وصونيا غاندي، يكافح لصنع بصمة قيادية، ولم يتقدم حزب بهارتيا جاناثا بقيادة إل كيه أدفاني وراجنات سنج بالسلطة إلى أي مكان، لكن عدم وجود الإرادة السياسية يشكل الناحية الأكثر قوة، لأن بروز الهند المدهش وغير المسبوق، على الأقل في الـ 250 عاما الماضية أثار حسداً ومنافسة مستمرين مع قول الصين بشكل موثق بأن شمسين لا يمكن أن تشرقا في مكان واحد، قاصدة آسيا.
ووفقاً لأحد التقديرات فإن الهند ككل (والتي تضم باكستان حالياً) انهارت بين الأعوام 1750 و1900 في حصتها النسبية من الإنتاج الصناعي العالمي ومعدلات دخل الفرد من التصنيع من 24.5 و سبعة على التوالي إلى 1.7 وواحد على حساب ''إراقة الدماء والسلب والنهب'' للحروب الاستعمارية والاستعمار البريطاني.
ولا يظهر افتقار القيادة الهندية للإرادة أي مؤشر على التخفيف، الأمر الذي يجعل الهند ناضجة لقطاف النتائج مرة أخرى، لكن الصين، التي مرت في المسار المزعج نفسه مثل الهند، تعلمت دروسها بشكل ملحوظ.
.
خاص بـ«الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinion Asia
