الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الحج بلا سياسة

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 27 نوفمبر 2009 2:35

وقف حجاج بيت الله الحرام في صعيد عرفة أمس، بطمأنينة وروح إيمانية متماسكة لأداء ركن الحج الأعظم، بعدما قضى ضيوف الرحمن يوم التروية في مشعر منى بهدوء وسكينة، وهذا المشهد يعكس الوحدة الإسلامية والتماسك والتعاضد للأمة في جو إيماني رائع يؤكد أن الأمة بخير، وتدعو إلى التآلف والمحبة والوئام وجمع ولمّ الشمل.

 وإذا كان الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وأنه فرض عين على كل مسلم استطاع إليه سبيلا، وأن القادم للحج من أي مكان جاء وأياً كان لونه، عرقه، جنسه، لغته يلبس ملابس الإحرام البسيطة البيضاء ذاتها، ولا غير، فيما للنساء لبسهن الخاص.. هذا معناه إقصاء للمظاهر المتباينة في الأزياء واتحادها بالشكل ذاته للرجال مهما كان وضع الفرد غنياً أو فقيراً، سيداً أم مسوداً، أسود أم أبيض، عربيا أم أعجميا ولا تمايز على الإطلاق بين الرجال، كما لا تمايز أيضا بين النساء.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحج ركن لا يجب على المؤمن إلا مرة في عمره، وما بعدها من حجات هي نوافل من باب الاستزادة من الخيرات، فإن هذا يعني أن الحج كمناسك وشعائر صراط عبادة خالصة لوجه الله - سبحانه وتعالى - لا ينبغي أن تشوبها شائبة، وأن وجود الحاج بين الحجاج من كل حدب وصوب هو دمج روحاني للفرد مع الجماعة ودمج وللجماعة في الفرد في ضراعة واحد نحو خالق السموات والأرض من أجل النجاة من الشرور ومن أوضار الدنيا، ونيل رضاه وإحلال السلام والمحبة بين الجميع.

هذه الرمزية الروحانية الخالصة للحج لا تقبل تعكيرها بمآرب دنيوية من أي نوع، فكيف بالمناداة بتسييس الحج أو بجعل موسم الحج روحانية مشاعره ومناسكه مناسبة لهرج السياسة ومرجها، ما يتعارض بالكامل مع طهرانية الحج وسمو غايته في نشدان العفو والمغفرة وعمارة الروح الإنسانية بالخير والتآلف مع الجميع في أخوة إنسانية لا حرازات فيها ولا ضغائن، حيث إن ذلك هو غالباً ما يتداعى عن المظاهر السياسية وخطبها ومواقفها على نحو لا يحتاج إلى دليل، تشير إليه التجاذبات الإعلامية في مختلف المستويات البينية، الإقليمية، الدولية.

رسالة الحج تكريس للوحدة والأخوة والمحبة والسلام بين بني البشر من خلال العلاقة الروحانية القدسية التي يقيمها الحجاج، على صعيد واحد، مع خالقهم في نجوى جماعية، تختلف الأفواه والكلمات ولا يختلف القصد والمعنى والهدف.. أما الزعم بأن للحج دورا سياسيا أو أنه مناسبة لتعبر السياسة فيه عن نفسها، فهذا شذوذ فيه وخروج عليه، فقد ظل موسم الحج طوال تاريخه الإسلامي عبادة ربانية يمارس فيها الجميع الشعائر والمناسك ذاتها ولا تنفتح شفاههم إلا بآيات من القرآن الكريم أو التلبية والدعاء الطاهر الزكي، ليهيمن على الكل إحساس عميق مشترك بالسكينة والطمأنينة، كما لو كان هذا الحشد العظيم أسرة واحدة، في مشهد متجرد عن الأهواء يذكرهم بمآل الجميع يوم النشور، فلا يسري فيهم غير الإخلاص بطلب التوبة ولا يبقى في داخلهم إلا الإحساس بالسواسية .. فكيف بالله يريد بعض المرجفين في إيران أن ترفع السياسة بشعاراتها ولغطها صوتها اللجوج في هذا الموقف الضارع الدامع لرب العالمين أن يمن عليهم بغامر الرحمة والرضوان؟

لقد كانت دعوة نكراء جابهها المسلمون، دولاً وأفراد، بالرفض والشجب والاستنكار وأعربت الحكومة السعودية بحزم عن رفضها المطلق لأي نوع من الاستثمار السياسي لموسم الحج، مؤكدة أنها ستكون مثلما كانت دائماً، عازمة على صيانة الحج من أي مظاهر تحاول إفساده والحفاظ على سلامة الحجاج وأمنهم ورعايتهم حتى يتموا مناسكهم بيسر وسهولة في ضيافة الرحمن محاطين بجهود وزارة الداخلية الجبارة على مدار الساعة، وإلى جانبها الجهات الحكومية الأخرى ذات العلاقة لكي يكون حج هذا العام ككل عام، بإذنه تعالى، حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً.. وليبقى الحج كما لابد أن يكون، دائماً، ناصعاً في بهائه القدسي لا تشوبه شائبة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية