يؤسس قرار رفع الدعم الحكومي عن الأرز، وهو الدعم الذي تقرر مع وصول الأسعار إلى مستويات عالية عام 2007 وفي إطار معاضدة الأموال الحكومية لمعيشة المواطنين، لمرحلة جديدة من ثقافة الدعم، بحيث يصبح مألوفا أن الدعم الحكومي المباشر لبعض السلع أو الخدمات لا يأخذ صفة الديمومة ويفترض أن يكون لدى المواطن قبول تام بأن هذا الدعم يتوقف تلقائيا مع زوال ظروفه ومبرراته.هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية، فإن القرار المتعلق بالأرز والذي سيصبح نافذا من التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، يعكس حالة من تغليب المصلحة الوطنية لدى المستوردين (التجار السعوديين)، حيث يظهر قرار وقف الدعم بأنه جاء بطلب منهم لأن السعر في الدول المنتجة عاد إلى مستوياته قبل قفزة عام 2007، وبالتالي فالأسعار للمستهلك النهائي في السوق المحلية ستنساق مع تلك الأسعار وتعود للتراجع.
ومع تراجع الأسعار في معظم السلع الاستهلاكية حول العالم، فإن المبلغ الذي تقتطعه وزارة المالية من الخزانة العامة لغرض تسوية السعر في السوق المحلية سيفقد الهدف الذي سن من أجله، لأن المستهلك النهائي سيحصل على السلعة (الأرز) بأسعار منخفضة ومتماشية مع الأسواق العالمية سواء بقي الدعم أو توقف.
فضلا عن ذلك، فإن تصريحات الموردين السعوديين لسلعة الأرز تلمح إلى أن ثمة محاولات استغلال من بعض المنتجين والمصدرين في دول المنشأ للأرز، إذ يرفع المصدرون سعرهم للموردين السعوديين تحديدا استغلالا للدعم الذي يلقونه على السلعة من حكومتهم، وهذا الوضع بالقطع يعني تكبد خزانة الدولة مبلغا غير مبرر بل إنه مبلغ مستغل لطرف ثالث ليس التاجر السعودي ولا المستهلك المحلي، بل المصدر من الخارج.
والأرز ليس السلعة الوحيدة التي كانت تلقى دعما حكوميا, فهناك أيضا حليب الأطفال وهي سلعة جاءت ضمن قائمة من السلع والخدمات ارتأت الحكومة عام 2007 أن تشارك في تكلفتها بالأموال السيادية مباشرة لغرض تخفيف ضغوط الأسعار التضخمية على المواطنين، وتشير التقديرات إلى أن الحكومة تخصص سنويا نحو 23 مليار ريال لخفض أسعار هذه السلع للمواطن والمقيم في البلاد مع الحفاظ على هامش الربح للمورد، ولأن الأزمة المالية العالمية غيرت توجهات تكلفة السلع والخدمات في العالم وأسعارها فإن الأمور عادت تقريبا إلى معدلاتها قبل ثلاثة أعوام من حيث مستويات الطلب والتكلفة وبالتالي السعر للمستهلك النهائي. وهنا يجدر بنا القول إن هناك قنوات ملحة لاستثمار الأموال السيادية المتكونة بفضل السعر المرتفع أو المستقر للنفط وهي قنوات ذات أولوية قصوى اقتصادية وأمنية واجتماعية، يزيد من الإلحاح في معالجتها حاليا تكون الفوائض المالية لدى الحكومة لأن غياب المعالجة في هذه المرحلة يعني استمرار العطب لسنوات طوال خاصة مع عدم اليقين بتوجهات أسعار النفط في الأمد المتوسط. هذه القناة الملحة هي مسألة الإسكان فتوجيه الـ 23 مليار ريال لصندوق التنمية العقاري يعني أن هناك 77 ألف مواطن سيحصلون على قرضهم العقاري بمتوسط 300 ألف ريال وهو القرض السائد حاليا، وهو يعني استفادة 385 ألف مواطن من القرض في غضون خمسة أعوام, وهذا يعني أيضا معالجة أكثر من 80 في المائة من قوائم الانتظار في الصندوق العقاري التي تشير بياناتها إلى أن عدد الطلبات المقيدة في قائمة الانتظار بلغ 500 ألف طلب.
وهناك صورة أخرى لمعالجة وضع الإسكان بصورة غير مباشرة بحيث يتم استثمار المبلغ في تطوير المناطق المخصصة لمنح الإسكان فبدلا من النهج الحالي للمنح التي ربما تزيد تكلفة تطويرها على سعرها الحقيقي، يتم تطوير المخططات من قبل الحكومة ثم منحها للمواطن وبالتالي يتيسر عليه بناؤها والاستفادة منها سكنا في أقصر فترة.
