الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

محنة الجوع

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 20 نوفمبر 2009 4:39

مع بداية الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم أخيرا ظهرت مخاوف مشروعة لدى المهتمين بالشأن الإنساني والاجتماعي, أفرادا ومؤسسات وجمعيات, عن مدى تأثير هذه الأزمة في الجوانب الاجتماعية والبيئية البعيدة عن الموضوع الاقتصادي. فعندما يهتز اقتصاد العالم, وبالأخص في الدول المتقدمة والغنية منها, وتنشغل هذه الدول بأزمتها ومشكلاتها الاقتصادية, فإنها بالتالي ستتأثر مشاركتها ودعمها للجهود الموجهة للتخفيف من الأزمات الإنسانية التي يعانيها العالم. هذه الحقيقة أظهرها وأكدها التقرير المشترك لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي, فعدد الجياع في العالم وصل إلى عتبة المليار إنسان في حزيران (يونيو) الماضي, وهم اليوم أكثر من مليار إنسان, حيث إن عددهم في السنة الماضية كان يقدر بـ 963 مليون إنسان جائع, والمشكلة التي يظهرها هذا التقرير هي أن 960 مليون إنسان من هؤلاء الجياع يعيشون في دول هي في الأصل دول فقيرة ومتعثرة في تنميتها, وبالتالي ليس بمقدور هذه الدول وحدها أن تعالج مشكلة الفقر والجوع عندها. وفي إطار هذه الحقيقة يدعو هذا التقرير المشترك إلى مناقشة جادة لمحنة الجوع في العالم خلال المؤتمر القادم أو القمة العالمية عن الأمن الغذائي المقرر عقده في روما بين 16 و18 من الشهر الحالي, والخروج بالتزامات عالمية وحلول عملية لتمكين العالم من مواجهة مشكلة الجوع.

ولقد عاد هذا التقرير ليؤكد مرة أخرى أن حل مشكلة الجوع في العالم لا يمكن أن تتم من غير معالجة حقيقية للأسباب التي أدت إلى تفاقم هذه المشكلة. فأول هذه الأسباب ومن أهمها هو قلة المساعدات المقدمة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة, ولقد تراجعت هذه المساعدات بفعل تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية. ولقد صدرت دعوات من المنظمات الدولية الإنسانية إلى قادة دول العالم بأن تعود مرة أخرى إلى تخصيص ما هو مطلوب من أموال ومساعدات للدول الفقيرة بعد أن ظهرت مؤشرات اقتصادية تنبئ بخروج العالم من هذه الأزمة.

ومن العوامل الأخرى والمهمة أيضا ضعف الاستثمار في القطاع الزراعي في إطار ما يقدم من مساعدات للدول الفقيرة, ما أثر بشكل كبير في قدرة هذه الدول على إنتاج الطعام, ففي عام 1982 كان هناك ما يقارب 17 في المائة من المساعدات تذهب إلى الزراعة ومن ثم تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 4 في المائة عام 2006, وهذا تراجع خطير وأسهم وبشكل كبير في ازدياد عدد الجائعين. على العالم في قمته الغذائية أن يظهر التزاما بتقديم العشرات من المليارات من الدولارات لمساعدة الفقراء والمزارعين في الدول الفقيرة. عدد سكان العالم سيصل إلى أكثر من تسعة مليارات إنسان عام 2050, ولإطعام هذه المليارات من البشر فإن العالم في حاجة إلى أن يزيد من إنتاجه للطعام بما لا يقل عن 70 في المائة, وهذا الأمر لا يتحقق من غير مساعدات ملموسة للمزارعين في الدول الفقيرة.

هناك عوامل أخرى يجب الالتفات إليها هي الأخرى ومعالجتها, منها ارتفاع أسعار المواد الغذائية واحتمال استمرار ارتفاعها في السنوات المقبلة ما يجعل من الحصول على الطعام الكافي أمرا غير مستطاع بالنسبة إلى العائلات الفقيرة, فالانتعاش الاقتصادي الذي تشهده بعض الدول النامية زاد من استهلاك شعوبها للغذاء, وهذا لابد من أن تقابله زيادة في الإنتاج وإلا ستزداد الأسعار ويزداد معها عدد الفقراء في قائمة الجياع. ولا ننسى المشكلات الاقتصادية والحروب الأهلية والإقليمية والفساد, وهي كلها عوامل تسهم وبشكل فاعل في اتساع ظاهرة الفقر وبالنتيجة ازدياد عدد الجياع.

ولعل العالم وهو يواجه مشكلة الإرهاب أن يدرك أن من الحلول الدائمة والجذرية لمشكلة الإرهاب في العالم هو التصدي لمشكلة الفقر والجوع في الدول النامية, فالمنظمات الإرهابية تجد ضالتها في المجتمعات الفقيرة, لأن الفئات الجائعة والمحبطة واليائسة هي أكثر تقبلا للشعارات والأوهام التي توحي لهم بمشروعية اللجوء إلى العنف لإسماع صوتهم والمطالبة بحقوقهم, أو بالأحرى الثأر لحالهم. وعلى العالم العربي أن يستثمر هذا التجمع الدولي بخصوص الأمن الغذائي وأن ينسق جهوده وتعاونه لتحصين أمنه الغذائي, فهناك ـ حسب تقديرات هذا التقرير ـ ما يقارب من 40 مليون إنسان جائع في العالم العربي, وأن الفجوة الغذائية ستصل إلى ما يقارب 70 مليار دولار في خلال عقدين من الزمن. هذه الأرقام والمؤشرات تفرض على العالم العربي أن يعطي موضوع الغذاء أهمية قصوى في خططه وجهوده التنموية, وهناك تطلع إلى أن تحظى هذه القضية فعلا باهتمامنا, وأن يستفاد من هذا المؤتمر العالمي لوضع خطط وأجندة وطنية وإقليمية لمعالجة هذه المشكلة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية