الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مكة والحج في رواية سقيفة الصفا لحمزة بوقري

صلاح القرشي
الثلاثاء 17 نوفمبر 2009 6:27

ربما تكون تلك الرواية الرائعة لحمزة بوقري ـ رحمه الله ـ والمسماة «سقيفة الصفا» من الروايات الأولى التي قاربت مكة المكرمة معمارا ومجتمعا بطريقة سردية عالية، فتناولت في ثنايا رحلة بطلها من الطفولة إلى الرجولة كثيرا من الأماكن والشوارع وكثيرا من الطقوس والعادات الاجتماعية المكية الخالصة والمرتبطة تحديدا بتلك العلاقة العظيمة بين المجتمع المكي والحرم الشريف.

ورغم أن موضوع الحج تحديدا لم يكن هدفا مباشرا للرواية، التي تناولت سيرة بطلها محيسن منذ نشأته يتيما في الحي المطل على الحرم الشريف بين جبلي أبي قبيس والسبع بنات، حيث يرصد هذا البطل بضمير المتكلم كثيرا من الذكريات والمواقف، فنعيش معه كثيرا من تفاصيل تلك الأماكن المحيطة بالبيت الحرام، فنقرأ عن مدارس ذلك الزمان وحلقات التدريس في الحرم والطقوس المصاحبة للجنائز والعزاء، ونمضي معه مارين بسقيفة الصفا المظلمة إلى محبس الجن وريع اللصوص وطلعة أبي لهب، بل ونسافر معه فيما بعد في رحلة جميلة إلى المدينة المنورة.

ولعل هذه الرواية الجميلة هي أيضا من الروايات الأولى التي تناولت موضوع الحج تحديدا، خصوصا وهي تغطي مرحلة زمنية قديمة كانت وسيلة التنقل فيها بين المشاعر المقدسة هي الجمال لنطالع معا هذا المقطع الجميل (وعندما شُدت الشقادف على جمالها وضِعت تلك الأخيرة في طابور طويل ووزع الجمالون توزيعا استراتيجيا، حيث أخذ بخطام «القيدة» أي البعير الأول, أكبر الجمالين سنا وأكثرهم خبرة ثم وزع الباقون على جانبي القافلة, كل بضعة جمال يسير بجانبها واحد منهم, ومشى اثنان في الخلف, ولما كانت القافلة حجاجا من مصر, فقد انطلقت زغاريدهم أول ما تحرك «القيدة» ثم استمروا في غناء واحد حتى تركنا مساكن مكة واتجهنا شرقا في الطريق إلى المشاعر) ص 157. تقدم «سقيفة الصفا» في واحد من أمتع فصولها وصفا لرحلة بطلها محيسن مع أحد مطوفي الحجاج، حيث تكون الترتيبات للصعود إلى منى أشبه بالترتيب لحملة عسكرية.

أيضا نقرأ عن الجمّالة وحكاياتهم وعن الشحاذين الذين يمشون تحت شقادف الجمال يحملون عصا طويلة في رأسها علب فارغة مرددين «يا حاج قبول.. يا حاج قبول»، فتضع لهن النساء بعض المال في تلك العلب.

ونطالع وصفا لليالي منى المبهجة كما يسميها الراوي, وعما تفعله الأمهات لأولادهن الذين يحجون للمرة الأولى من نثر المكسرات عليهم وتعليق قلادة التمر حول أعناقهم (أصرت الوالدة أن تعاملني يوم عيد الأضحى كما يعامل الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم بضع سنوات، فأحضرت كيسا مليئا بالنقل وجمعت عددا من الأطفال الموجودين في المخيم ثم نثرت ذلك عليّ وهي تصيح ضاحكة هازجة «جو جو حجو وجو»).

الجميل في «سقيفة الصفا» أن كل المواضيع والحكايات التي تم تناولها لا تبدو مقحمة ولا تشكل ترهلات في السرد، لأنها تتم بطريقة سلسة ينتقل فيها البطل عبر رحلته العمرية وذكرياته واختلاجات عواطفه طفلا وشابا ورجلا.

رحم الله حمزة بوقري، فقد قدم من خلال «سقيفة الصفا» عملا سرديا جميلا وأخاذا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية