تمتلئ ذاكرة التاريخ بملايين الأسماء التي مرّت عبر الأجيال المتعاقبة، وفي شتى المجالات والميادين، بعضها تلاشى وهجه مع مرور الزمن، ولم يعد له أي حضور سوى في دراسات المؤرخين، فيما بقي البعض الآخر صامدا لا تخطئه الذاكرة أبد الدهر، غير أن هذا البعض الأخير أيضا ارتضى أن يحفر اسمه كنقش إما على قمم جبال التاريخ بهمته وعطاءاته الإنسانية الضخمة .. وإما على سفوحه وفي مغاراته ببشاعة أعماله ودمويتها.
ولأن ذاكرة التاريخ لا تعبأ كثيرا بمنطقة الوسط .. فقد حفظت عن ظهر قلب منذ الأزل أسماء أولئك الرجال الذين غيّروا وجه التاريخ أو أعادوا رسم صورته سلبا أو إيجابا.
ولأننا لسنا بصدد سياق الأمثلة للتدليل على هذه الحقيقة التاريخية التي تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل .. فإننا لن نستعيد قراءة تلك الأسماء التي يعرفها بداهة أي طفل في الصفوف الابتدائية في كل قارات العالم .. لذلك سنكتفي بالتوقف قليلا عند تقييم مجلة (فوربس) الأمريكية الشهيرة، التي تعد من أكثر المجلات شهرة في العالم، وتعنى في المقام الأول بتوفير المعلومات المالية والاقتصادية، وتتسم دراساتها بالدقة والعلمية والموضوعية، وتصدر بأكثر من لغة عالمية، حول الأشخاص الأكثر نفوذا وتأثيرا في العالم .. حيث جاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - يحفظه الله - ضمن الأسماء العشرة الأولى من بين 67 شخصية في عالم اليوم.
هذه الشهادة العالمية التي لم يكن عبد الله بن عبد العزيز يعمل من أجلها أو يسعى إليها، حينما وضع على عاتقه وخلال سنوات أربع فقط مهمتين رئيستين .. أولاهما: كسر شوكة العنف، وإعادة أنسنة الإنسان أينما كان بنزع فتيل الصراع بين أتباع الديانات والثقافات المعتبرة، من أجل عمارة الأرض بالسلام، وصرف اهتمام المجتمعات البشرية إلى صناعة الرخاء، وطي صفحة النزاعات والحروب التي لا طائل من ورائها، منذ أن تصدى لمؤتمر حوار الأديان، واستطاع بحنكة الزعيم الاستثنائي أن يكسب ثقة كل الأطراف لتنخرط في مشروعه الإنساني غير المسبوق، الذي لا يزال يواصل - بفضل الله - نجاحاته يوما بعد آخر، وآخرتهما: نقل مجتمعه وأمته من شجارات الفوضى ومألوفية الإذعان للواقع المتعثر، إلى شد الأحزمة لبناء المجتمع الحديث القادر على التحليق بجناحي العلم والإيمان .. لتأتي هذه الشهادة العالمية كتحصيل حاصل لزعيم نقش بمواقفه وأفعاله ومنجزاته اسمه الكبير في شوامخ قمم التاريخ، وبأكثر الأعمال مجدا، وأعظمها قيما وقيمة.
كان العالم يمور بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) الشهيرة وما أعقبها من الحروب بالكثير من العواصف الكفيلة باقتلاع أي فكرة غير فكرة الحرب، وهو الذي تقع بلاده في عين العاصفة، ومع هذا فقد انبرى - يحفظه الله -بالتصدي بحكمته وحنكته لتلك الأنواء التي كانت تنذر بالشر المستطير، ليعيد صياغة العلاقة مع الآخر بمبادئ الإسلام التي ترتكز على السلام، ليغير وجه التاريخ المحتقن ببشاعة فعل التدمير، إلى خُلُق التعمير، حتى دان له كل من كان يقف في صف الخصوم وبكل ثقة، ليعيدوا تموضعهم معه وإلى جانبه في خانة البشر المستخلفين لعمارة الأرض، غير أن هذه المهمة المستحيلة عقلا ونقلا لو لم يسجلها التاريخ كواقع مشهود باسم هذا القائد الفذ، لم تكن على عظمها وثقل حجمها هي كل ما في أجندته المكتظة بالتطلعات لكل ما فيه خير الإنسانية عامة وأمته على وجه الخصوص، فقد استطاع في السنوات الأربع ذاتها وفي سياق مفهومه لبناء المعرفة كرصيف حضاري أن ينثر على جيد وطنه ما يربو على 30 جامعة .. ما كان أكثر المتفائلين يتوهم بقيام نصفها، قبل أن يُتم مشروعه المعرفي بالجامعة الرمز .. جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، التي ستشكل بنموذجها الفريد مفتاح الأمة لباب الحضارة الحديثة، الذي ظل مغلقا بأسراره العلمية عنها إلا حينما يُراد له أن يبتاع منتجاته في أسواقها الاستهلاكية، ليشرع للعالم وفق فلسفة الزعيم الأممي بابا للبحث وللدراسات الجادة في كل ما يسعد البشرية ويطبب عللها وانكساراتها وأمراضها.
لذلك لم تكن هذه الشهادة العالمية على أهميتها مفاجئة، ولا سيما أن بعض التعليقات قد ذهب لمناقشة أحقية هذا القائد الذي كتبت منجزاته الدولية والإسلامية والعربية والمحلية اسمه الكريم كأبرز الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ الحديث، أحقيته بجائزة نوبل للسلام، رغم أن ما فعله ولا يزال، ورغم هذا الوعاء الزمني الصغير .. سيظل أسمى وأكبر وأعمق من كل الجوائز والتقييمات، ولا شك أن التاريخ سيحتضن هذا الاسم الكبير في أنقى سجلاته، وأكثرها بياضا.
حفظ الله - أبا متعب - وهو يتعب كل يوم بمواقفه وإنسانيته وعظم همته، وفعله النابه بصمت الكبار كل من يُحاول أن يقتفي أثره.
