الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ما مدى فعالية استخدام بعض الوسائل للحد من تزايد العمالة؟

عيسى بن عبدالرحمن العيسى
عيسى بن عبدالرحمن العيسى
الاثنين 16 نوفمبر 2009 2:1

يتفق الجميع على أن إقرار مجلس الوزراء لاستراتيجية التوظيف السعودية هو بمثابة وضع خريطة طريق ومنهجية لتحقيق الأهداف المرجوة لتطوير سوق العمل السعودية، ولتحقيق السعودة، تضاف لما تحقق من الإنجازات الجيدة في السنوات القليلة الماضية كتأسيس صندوق تنمية الموارد البشرية ''هدف'' وإسهاماته من خلال تقديم حزمة من البرامج الهادفة لتأهيل العمالة المحلية ودعم وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة لرفع مستوى حجم إحلال العمالة المحلية محل العمالة الوافدة في القطاع الخاص. وتتسم استراتيجية التوظيف الحالية برؤية منهجية مختلفة وشاملة ترتكز على حق المواطن والمواطنة في العمل.

ولمعالجة اختلالات سوق العمل وللحد من تزايد استقدام العمالة الوافدة قامت وزارة العمل بتطبيق بعض الحلول مثل وضع قيود تحد من إصدار التأشيرات لطالبي الاستقدام للعمالة الوافدة، وفرض نسب معينة للسعودة على كل شركة ومؤسسة، وإقرار سعودة بعض القطاعات مثل أسواق الذهب وغيرها من المجالات، لكن لم ترقَ النتائج المحققة لتلك السياسات والقرارات للمستوى المأمول.

إذن، ما البدائل؟ لعل أولها أن يكون هناك توجه يقوم على نموذج التحكم في حجم عرض تدفق العمالة الوافدة غير المحدد عن طريق رفع تكلفة الاستقدام، وتحديد الحد الأدنى للأجور لمستوى يتناسب مع معايير المعيشة في المملكة لتأسيس أرضية عادلة لتنافس العمالة المحلية مع العمالة الوافدة باستخدام وسائل وأدوات مالية لتغيير نمط استخدام الموارد البشرية كعنصر من عناصر الإنتاج.

وثانيها هو رفع معايير الاستقدام والتركيز على توافر مستوى معين من التأهيل العلمي والمهني وسنوات الخبرة للعمالة الوافدة.

واستخدام وسائل وأدوات مالية للتأثير في مسار نمط استخدام الموارد أو لتغيير نمط استهلاكي لسلع معينة أسلوب ليس بجديد، حيث تبنت الدول الصناعية - نتيجة لارتفاع أسعار النفط - في السبعينيات والثمانينيات الميلادية خططا واستراتيجيات بعيدة المدى لتخفيض استهلاكها من النفط، وتطوير بدائل النفط من الطاقة المتجددة، وزيادة نسبة استخدامها وتنويع قاعدة مصادر الطاقة عن طريق رفع قيم الضرائب المفروضة على استهلاك مشتقات النفط مع زيادة الدعم المقدم لتشجيع ابتكارات بدائل الطاقة.

وتختلف السياسة الضريبية على مشتقات النفط من دولة إلى أخرى، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال راوحت قيم الضرائب المفروضة على برميل النفط من 14 دولارا في عام 1995م إلى 23 دولارا في عام 2008م، وهي بالمناسبة الأقل من بين الدول الصناعية، وفي اليابان تصل القيمة إلى نحو 45 دولارا، أما في فرنسا وهي الأعلى فتصل القيمة إلى ما يزيد على 80 دولارا للبرميل. واستخدام وسيلتي الضرائب والإعانات (السياسة المالية) أدى إلى تخفيض استهلاك النفط ورفع كفاءة استخدامات الطاقة وتطوير مصادر الطاقة المتجددة مثل إنتاج الطاقة النووية، والإيثنول، والطاقة الشمسية وبدائل الطاقة الأخرى. وأصبحت تلك البدائل جزءا مهماً مستهدفاً تعمل الدول الصناعية من خلال تخصيص موارد مالية عالية لتشجيع الأبحاث العلمية لتطويره، ورفع كفاءة استخدامه، وتخصيص موارد مالية لدعم إنتاجه. لذلك استطاعت الدول الصناعية تخفيض استهلاك النفط من 42.8 إلى 39.6 في المائة مع تحقيق نمو في الناتج المحلي بما يفوق 301.4 في المائة من عام 1985م إلى عام 2008م، وكذلك استطاعت اليابان والولايات المتحدة على الرغم من تحقيق نمو في الناتج المحلي بما يقارب 295 في المائة وأعلى من 300 في المائة من عام 1985م إلى عام 2008م تخفيض حصة استهلاكها من النفط من 55.1 إلى 43.7 في المائة، ومن 40.2 إلى 38.5 في المائة، على التوالي.

وفي اقتصادنا المحلي أمثلة جيدة تدعم التوجه في محاكاة استخدام مثل تلك الوسائل والأدوات لتشجيع التركيز على استخدام العمالة ذات التأهيل العلمي والمهني العالي الجودة، والتوسع في استخدامات التقنية لرفع كفاءة الإنتاج، واستخدام الموارد المالية. فارتفاع كفاءة الإنتاج في قطاعي المصارف والبتروكيماويات التي تمثل العمالة الوطنية فيهما النسبة الأعلى برهان جيد لنجاح استقطاب العمالة الوطنية. نجاح وارتفاع إنتاجية العمالة الوطنية في هذين القطاعين يعود لاختلاف بيئة العمل في هذين القطاعين عن معظم قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث يتسم العمل في هذين القطاعين بارتفاع الأجر، واستثمار الشركات في تنمية ورفع قدرات ومهارات العاملين لديها.

وقد يؤدي استخدام وسائل وأدوات لتغيير مسار العرض والطلب للعمالة الوافدة إلى ارتفاع تكلفة الاستقدام، وتخفيض الكم الهائل من العمالة متدنية التأهيل، والتركيز على نوعية ذات تأهيل علمي ومهني عال وبأجور تتيح إمكانية تأسيس أرضية عادلة للمنافسة في سوق العمل مع العمالة المحلية. ودون شك، فإن وجود وسائل وأدوات تقنين الاستقدام، سيؤدي بطريقة مباشرة إلى ارتفاع وتيرة الاستعانة بعمالة ذات تأهيل عالي مع مكننة العمل والتوسع في نمط استخدامات التقنية أو ما يسمى بكثافة رأس المال Capital intensive، بدل الاعتماد على العمالة الرخيصة كعنصر إنتاج Labor intensive، وهو ما يتيح المجال لرسم استراتيجية تأهيل وطني لتدريب العمالة الوطنية لإدارة عمليات الإنتاج بأعلى مستويات التقنية والإنتاجية، وخلق حوافز استثمار طالبي العمل أنفسهم في بناء المهارات والتعلم ورفع الكفاءة المطلوبة إضافة إلى ما يتم تقديمه من برامج تدريبية وتأهيلية من وزارة العمل، وكذلك المعاهد والمؤسسات الحكومية الأخرى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية