المملكة العربية السعودية، ليست ظاهرة صوتية، تسعى إلى خلق صورة ذهنية لدى المتلقي عبر إعلام مزيف وعروض عسكرية لقوات ومعدات أكل عليها الدهر وشرب، ولذلك فمن النادر أن تجدها تجري عروضا عسكرية لتصنع قوة عبر الإعلام تتنافى مع الواقع، أو تضخم ذاتها ومدى قبولها شعبيا إعلامياً، ثم في لحظة الحقيقة تتكشف الأمور.
المملكة دولة تعيش في الواقع وليس الخيال، تعرف أن بناء الدول وسعادة الشعوب بالعمل الصادق المشاهد على الأرض، لا بأمور تتنافى مع عقل الإنسان، أو عبر ادعاءات سريعاً ما تنكشف عند أية فرصة للشعب ليعبر فيها عن رأيه.
قبل ما يزيد على عقدين من الزمن تشرفت بأن أكون عسكريا باللبس إعلاميا بالعمل حينما أمضيت ما يزيد على الشهر بين قواتنا المسلحة في تمرين عسكري بالذخيرة الحية، جرى في إحدى مناطق بلادنا، في تلك الأيام كنت أرى مدى ما يحمله جنودنا من ضباط وأفراد من حماس كبير ورغبة في الوصول إلى مراحل عالية من الإتقان. تذكرت تلك الأيام وأنا أشاهد هذه الأيام بسالة قواتنا المسلحة وهي تصد زمرة المتسللين الذين باعوا ضمائرهم وخانوا وطنهم قبل أن يخونوا حقوق الجيرة، كما تذكرت ذلك وأنا أشاهد الجندي السعودي وهو يقف بكل إصرار ليواجه من يحاول الإساءة إلى الوطن، وفي الوقت نفسه تراه يمد يد العون والمساعدة لمن يحتاج إليها من النازحين.
إن الجندي السعودي وهو يواجه كل معتدٍ، يدافع عن الوطن وعن ما تشرف به من رعاية الأماكن المقدسة التي استطاعت المملكة بحكمة القيادة أن تبعدها عن أطماع ومؤامرات كل من سخر دينه لأغراض سياسية، فكان أن استحقت المملكة شكر وتقدير ملايين المسلمين الذين يفدون إلى المملكة لأداء الحج أو العمرة، فلا يرون شعاراً يرفع أو صورة تبجل، بل الكل متوجه بالدعاء إلى الله تعالى مخلصاً له العبادة. ما جرى من تسلل من قوات متمردة وما سبق هذا التسلل من مواقف معادية للمملكة ومحاولة إثارة الفتنة قبيل موسم الحج، انقلب على من دبروه، فقد كانوا يعتقدون أن المملكة وهي تستعد لفترة الحج ستكتفي بالاحتجاج أو المناشدة، بل اعتقدوا أن المملكة ستخضع لمن دفع هؤلاء المتسللين وتدعوهم للتدخل لوقف هذه الأعمال.
إلا أن ردة فعل المملكة وموقفها الحازم وإصرارها على صد العدوان وإزالة مسبباته فاجأتهم وإن كانت لم تفاجئ أحداً من مواطني المملكة الذين وجدوا في هذه الأحداث فرصة لتجديد الولاء للوطن وقيادته، وذلك لمعرفتهم أن المملكة وإن كانت تقدم التسامح في أمور كثيرة، إلا أنها لا تتسامح أبداً فيمن يسعى لتعكير أمن البلاد أو تهديد سلامة مواطنيه، فكان الرد القوي والمؤثر صدمة للطرف الآخر، وانقلب السحر على الساحر، فأخذ يسعى إلى لملمة خسائره ويحاول بكل ما أوتي من قوة الإبقاء على الجيب الذي اخترق به اليمن الشقيق، خوفاً من أن يسقط ثم تتكشف أمور أخرى سيكون لها نتائج أكثر سلبية. إن ما جرى من أحداث وتعامل المملكة الحكيم معها حمل الخير لهذه البلاد التي أحسنت النية وتعاملت مع مجريات الأحداث بصدق، فحماها الله وجعل كيد الأعداء يرتد إلى نحورهم بعد أن أشغلهم بأنفسهم فأصبحوا لا يدرون أيتجهون إلى صراع داخلي بدأت تتضح معالمه، أم يعززون مواقع بنوها في الخارج لخدمة أهدافهم السياسية.
النتائج الإيجابية التي برزت من خلال هذه الأزمة كثيرة ومنها أن قوات التمرد أدركت خطورة الاعتداء على أراضي المملكة وما دفعته من ثمن باهظ لن يعوضه دعم الداعمين، والأمر الآخر أن ما جرى من تطهير حدود المملكة الجنوبية سيقضي على أوكار الجريمة وتهريب السلاح والمخدرات وملاذات الإرهابيين الذين كانوا يعتقدون أنهم في مأمن وهم يعيشون في مناطق يسيطر عليها المتمردون، كما كشفت الأحداث أهمية التشدد في مواجهة المتسللين الذين يتسللون لأغراض إجرامية، وكشفت هذه الأحداث مواقف بعض القوى والجماعات التي باعت نفسها لقوى لا تضمر للإسلام والمسلمين خيرا. كما كشفت الأحداث مدى جاهزية قواتنا المسلحة لمواجهة أي طارئ ومدى ما يتوافر لها من تجهيزات وسلاح متطور ومدى قدرة أفراد هذه القوات على التعامل مع أي طارئ يهدد أمن الوطن، وهذه رسالة أعتقد أنها وصلت إلى من هم بعيدين عن حدود المملكة، قبل أن تصل إلى من هم في مناطق متاخمة لهذه الحدود.
